الصراع الأول والأكبر: بين الأيوبيين والرسوليين، فالأيوبيون في مصر هم الذين يجهزون القوة الحقيقية التي ترهب الرسوليين وتخرجهم من مكة، وتقاتلهم إذا التقت الجموع، والرسوليون في اليمن هم الذين يجهزون القوة الحقيقية التي ترهب الأيوبيين وتقاتلهم وتخرجهم من مكة. وأما الصراع الثاني والاصغر: فهو الصراع بين أمراء المدينة من آل المهنا وأمراء مكة من آل قتادة، ولهذا الصراع خلفية تاريخية ترجع إلى عهد قتادة نفسه عام 601هـ عندما زحف إلى المدينة وحاصرها، ثم رد له أمير المدينة سالم بن قاسم الهجمة بمثلها فلحقه إلى مكة وحاصره فيها (1) . وكان أمراء مكة هم المبادرين إلى الصراع، ودافعهم إلى ذلك الطموح الشخصي والطمع في إدخال المدينة تحت سلطتهم. أما آل المهنا فكانوا مدافعين عن إمارتهم. ثم تغير الأمر، فصار آل مهنا ـ هم ـ المهاجمين، ليس لتوسيع نفوذهم وضم مكة إلى إمارة المدينة، بل قادة للأيوبيين، ينفذون رغبتهم ليس أكثر حتى إن الأمير شيحة لم يستطع في حملة عام 629 هـ الحيلولة دون نهب مكة لأنه لم يكن صاحب السلطة العليا، وكان قائد الجيش وقتها هو طغتكين القادم مع الحملة من مصر (2) ومع أن الأمير شيحة هو الذي كان يتولى الإمارة في مكة عندما يدخلها الجيش، إلا أننا لا نعرف حجم سلطته الحقيقية، ومدى نفوذ أمراء الجيش الأيوبي المزاحم، لذلك من البين أن انغماس أمراء المدينة في هذا الصراع كان في غير محله، ولم يعد على المدينة بنفع على الإطلاق، فقد خسرت فيه بعض رجالها، وخسرت أميرها قاسم بن جماز، وكادت أن تخسر أميرها الثاني شيحة على نحو ما سنرى، وهذا طبيعي في أي صراع هامشي ينشأ بدافع الطمع في الإمارة بين الأقارب. فأمراء المدينة هم أبناء عم أمراء مكة. وطبيعي أيضًا أن المتصارعين عندما يكونون أتباعًا لأطراف أخرى فإنهم
(1) انظر ص 63 من هذا البحث ومراجعه.
(2) انظر ص 71 من هذا البحث ومراجعه.