فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 375

قبل أن يستريح الجيش وينفرط عقده قرر الأمير سالم مطاردة قتادة والقضاء على قوته كي لايطمع في المدينة ثانية، وخرج في اليوم الثاني في إثره، وعلم قتادة بالأمر، فأسرع السير ووصل مكة قبل أن يدركه جيش المدينة ودخلها وأغلق عليه أبواب سورها، وما لبث سالم ورجاله أن وصلوا إلى مشارف مكة فانعكست الآية، وأصبح المحاصرون يحاصرون، والمهاجمون مدافعين، وكما عاش أهل المدينة أيامًا صعبة من الحصار والقلق والخوف عاش أهل مكة أيامًا مماثلة، وكما استبسل سالم ورجاله في المدينة من قبل استبسل قتادة ورجاله ورفضوا التسليم للمحاصرين، وعمد قتادة إلى ماعمد إليه سالم من قبل، فاستنهض من المكيين من لهم صلة بأهل المدينة، ومن نكصوا عن القتال في الموقعة الأخيرة، وبثهم ليحاوروا المحاصرين ويقنعوهم بوقف إراقة الدماء ومراعاة حرمة البلد الأمين. ومثلما أثر المدنيون في المكيين من قبل وجعلوا بعضهم ينكصون عن محاربة إخوانهم، أثر المكيون في بعض المدنيين، وبخاصة بعد أن فقد المدنيون الدافع القوي الذي كان فيهم من قبل للقتال، دافع حماية النفس والأهل والمال والبلد، والمدنيون بطبعهم أرق عاطفة وأكثر استجابة للحسنى لذلك بدأ بعضهم يتحدث عن جدوى الحصار ومغزى الحرب، وتحول الهمس إلى كلام مسموع انتقل إلى سالم بن قاسم، فأدرك سالم أن عددًا من رجاله بينهم بعض قادته قد ينقلبون عليه، وأنه إذا خرج إليه أهل مكة مدافعين فلن تكون له القوة السابقة، وجاءت رسالة من قتادة تحض سالمًا على المصالحة ورفع الحصار يقول فيها: ياابن العم كسرة بكسرة، وأيام حصار بمثلها، والبادئ أظلم، فإن كان أعجبكم عامكم فعودوا في القابل (1) . وكانت لهجة الرسالة مرضية لسالم، ففيها إقرار بانكسار قتادة وشعوره بذله وبآثار الحصار، وفيها تأكيد على صلة القربى بين الأميرين وأهل البلدين، وهذا كاف ليروي نفس

(1) العقد الثمين: 7/ 42 وغاية المرام 1/ 553 ـ 554.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت