تسلم غُرَيِّر بن هيازع الإمارة واستطاع أن ينهي اضطرابات آل جماز، فقد تحقق لهم مايريدون، وبدأ يزيل أسباب الشكوى التي ظهرت في المدينة من سلطة سليمان، فيحسن معاملة الناس ويتشدد في حفظ الأمن وتعقب المفسدين، ويتودد إلى أهل السنة ويمنع أي تطاول عليهم، فحسنت سيرته بين الناس، وحسنت علاقاته مع جيرانه أشراف مكة وينبع، وقد تزامنت بداية ولايته مع عودة النفوذ الاسمي للخليفة العباسي إلى الحرمين الشريفين، ويتمثل هذا النفوذ بذكر اسمه في الخطب والدعاء له واعتباره إمام المسلمين الأول، وكانت الخطبة للخلفاء العباسيين قد قطعت منذ سقوط بغداد بيد التتار عام 656هـ (1) وأصبحت مقصورة على سلطان مصر وأمير المنطقة، وقد جاءت إعادة الخطبة بعد انتقال الخلافة لمصر وتحولها إلى منصب ليس له أية فعالية سياسية، يتوارثه أبناء الأسرة العباسية السنية، ولاشك أن إقامة الخطبة للخليفة العباسي في الحرمين الشريفين تأكيد على بقاء الخليفة رمزًا للوحدة المعنوية بين المسلمين، وتأكيد لارتباط هذين المكانين المقدسين بالخلافة ولو اسميًا، ويزداد هذا التأكيد أهمية إذا تذكرنا أن أمراء المدينة كانوا من الشيعة الإمامية، ولكن تشيعهم لم يكن متطرفًا في غالب الأحيان، وقد كان غُرَيِّر بن هيازع واحدًا من الأمراء غير المتطرفين.
استمرت ولاية غُرَيِّر بن هيازع أربع سنوات متوالية لم تشهد فيها المدينة أحداثًا كبيرة أو اضطرابات تذكر، خلافًا لما هو الحال عليه في مكة المكرمة، حيث قام صراع بين رميث بن محمد بن عجلان وأميرها حسن بن عجلان، وطرد حسن بن عجلان من مكة عام 818هـ بالقوة، ثم عاد إليها عام 819هـ بالقوة أيضًا، وبمباركة السلطان المؤيد (2) .
(1) السلوك ق1 ج4 ص240.
(2) تاريخ مكة 296.