فكر أرناط بغزو الحجاز والوصول إلى المدينة ومكة لطعن المسلمين في أعز مقدساتهم (1) ، فجهز حملة كبيرة اتجه بها إلى الجزيرة العربية عام 577 هـ ووصل إلى مشارف تيماء، وأصبح طريقه إلى المدينة مفتوحا، ففزع المسلمون لذلك، وكانت أول مرة تطأ فيها أقدام الصليبيين جزيرة العرب، ولم تكن في الحجاز قوة قادرة على التصدي للحملة، وكان صلاح الدين في الشمال مشغولا بترتيب أمور حلب والموصل، فلما بلغه الخبر أرسل إلى ابن أخيه ونائبه في دمشق فرخ شاه أن يتدارك الأمر، فجهز فرخ شاه حملة سريعةوسار بها إلى الكرك عاصمة أرناط ليأخذه من خلفه أو يجبره على الرجوع من الجزيرة العربية، ونجحت الخطة، وعاد أرناط إلى عاصمته مسرعا عندما سمع بحملة فرخ شاه وترك غزو الجزيرة العربية، فأنقذها الله منه، ولم يرجع فرخ شاه عن الكرك إلا بعد أن وقع أرناط معاهدة بعدم التعرض لطريق المسلمين وقوافلهم.
لم يتخل أرناط عن مشروعه في غزو الحجاز، وراح يخطط له بخبث أشد، فقرر أن يتسلل إلى الحرمين من البحر الأحمر، ويفاجئ المدينة قبل أن يشعر به المسلمون ويجمعوا الجموع لصده، ولم يكن لأرناط ولا لأحد من الصليبيين سفن في البحر الأحمر، لذا بدأ بإعداد السفن في مدينةالكرك، ونقلها مفككة على ظهور الجمال إلى البحر الأحمر. وأثناء ذلك اعترض قافلة كبيرة للمسلمين ذاهبة إلى الحج، رغم أنه وقع قبل مدة وجيزة معاهدة بعدم التعرض للقوافل والحجاج، ونهب القافلة، وقتل كثيرًا من الحجاج، فلما بلغ الخبر صلاح الدين غضب غضبا شديدا وأقسم ليقتلنه بيده إن ظفر به.
(1) انظر سنا البرق الشامي 188، البداية والنهاية 12/ 330.