فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 375

إن النصوص الثلاثة التي نقلتها نماذج تمثل نصوصًا أخرى مطابقة أو مقاربة لها، لا يتسع المجال للإفاضة فيها، ولعلي أجد الفرصة قريبًا في الكتابة عنها في كتاب خاص عن الحياة الأدبية في المدينة المنورة في تلك الفترة.. لذلك أجتزيء هنا بما قدمته وأنتهي مع القاريء إلى أن النثر كان قسيم الشعر في الحركة الأدبية في المدينة المنورة في القرون التي تقع عليها الدراسة وأنه كان في الغالب متحررًا من قيود التكلف والإغراق في المحسنات البديعية، وإذا أخذ بها ـ كما رأينا في المقامة ـ فإنه لا يجعلها تطغى على المعنى أو تسيء إليه، وهذا في اعتقادي شكل من أشكال المحافظة على حالة جيدة للأسلوب الأدبي..

وأخيرًا فإن الأدب في المدينة في تلك الفترة كان جانبًا من جوانب الحياة الثقافية، مساوقًا في حركته للحركة العلمية، يعتمد على حصيلة تراثية واسعة يستفيد منها الكثيرون من أهل المدينة، فتكون لديهم معلومات جيدة، وتظهر فيهم أعداد غير قليلة من المثقفين، وفي الوقت نفسه يضيف بعض المدنيين إلى نهر الثقافة الواسع إبداعات محدودة بحدود ماتسمح به ظروفهم العامة، والعوامل الأخرى التي تؤثر على الإبداع وتوجهه. وبذلك يصح أن نقول: إن المدينة في القرون التي تقع عليها الدراسة لم تغب عنها الثقافة، ولم تنحسر.. بل كانت موجودة تتزايد جيلًا بعد جيل، تزكيها حلقات العلم والأدب في المسجد النبوي، وفي المدارس، وفي المجالس الخاصة، وتسمح لها بقدر من الإبداع تضيفه إلى تراثها الكبير وإن من الظلم أن نسمي العصر الذي عاشته آنئذ عصر انحدار ـ كما شاع في بعض المؤلفات ـ وسوف تتأكد هذه الحقيقة بشكل أقوى عندما تخرج إلى النور مخطوطات ووثائق ما زالت تنتظر من ينتشلها من عتمة الخزائن ورطوبة الأقبية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت