فكان الناس كلهم مجاورهم وخادمهم وضعيفهم وقويهم وعالمهم وجاهلهم مستوين في هذا الأمر ، ولم يبق من الجماعة غير والدي والشيخ أبي محمد البسكري والشيخ أبي عبد الله القصري ، ومن حبسه عذر. وأقام الناس على ذلك أيامًا كثيرة حتى اطمأنوا ، وبات الناس في منازلهم وذهب عنهم الفزع في زعمهم. فلما كان في بعض الأيام ، قام الشيخ أبو عبد الله في الناس في الروضة ، فصاح قائلًا: اللهم من أراد المدينة بسوء مساءً فخذه صباحًا ، ومن أرادها صباحًا فخذه مساء.
ودعا واجتهد واحمر وجهه ، وقام على قدميه حتى قال من لا يعرف حاله: هذا منه هوس ؛ فإن الناس قد أمنوا وطابت قلوبهم ، وهذا الرجل يذكر بالشر ويدعو على من أُمن شره.
فلم يكن بعد ذلك إلا ليلة أو ليلتان ، إذ أصبح الأمير مقبل في المدينة قد دخلها هو وجماعة بالليل من خلف قلعتها ، وذلك أنهم نصبوا سلمًا استعملوه في الشام قطعًا موصلًا ، هو اليوم في الحرم الشريف ، وكان دخولهم ليلة السبت ثامن عشرين من شعبان سنة تسع وسبعمائة.
فلما أصبح مقبل وجماعته في الحصن ، أراد أمير المدينة الهرب ، ثم ثبته الله ، فقاتلهم كبيش مع أهل المدينة ، فانتصروا وقتل الأمير مقبل ، وجوشن وقاسم ابنا قاسم بن جماز ، وأثخن باقيهم بالجروح ، فعلموا أن الشيخ رحمه الله حدث بذلك ، وكشف عنه وحذر الناس ، ولكن ما فهموا )) .
من الواضح أن هذا النثر رغم كونه تاريخيًا يقصد نقل الخبر ، يحمل في طياته الكثير من خصائص النثر الأدبي ، فالعبارة سهلة مستقيمة ، والجمل طويلة متوازنة ، والعرض يستخدم الطريقة القصصية ولا يقتصر على مجرد الوصف والسرد ، بل ينقل العبارات المحكية بنصها ، ويصف الانفعال ورد الفعل بواقعية دقيقة صادقة ، فوصفه لحال الشيخ فيه من الحيوية ما يجعله شاخصًا أمام القاريء.