(( فلما قدم المدينة المشرفة أراد إخفاء حاله ، وكان قصده التأدب مع المقام الشريف ، فلزم الصلاة والإقراء حتى اشتهر حاله وكراماته ، فاجتمع عليه أهل الخير ومشايخ الحرم ، وسألوه أن يجعل لهم يومًا يعظهم فيه ، فأنعم لهم يوم في الجمعة بعد توقف كثير ومعالجة كبيرة ، وربما رأى في النوم أنه أذن له في ذلك ، فوعد الناس بالجلوس لهم بعد صلاة الصبح من يوم الجمعة ، فكان الناس إذا صلوا ذهبوا إلى مجلسه في آخر الحرم ، حتى أنه ليسمع للمسجد من سعيهم ارتجاج عظيم ، ولم يبق أحد في المدينة إلا حضر مجلسه من مجاورين وخدام ورجال ونساء وصبيان ، وكان قد جعلني قاريء مجلسه ، فأمرني أول يوم بأن أقرأ قوله تعالى( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ) الآية.
ومن الحديث: حديث أبي سعيد الخدري ( إن الحلال بيّن والحرام بيّن ) وكان يتكلم جالسًا ، فإذا غلب عليه الحال قام على قدميه وصاح بأعلى صوته ، فكأنما يقد بوعظه القلوب قدا ، ويفتح عنها بابا موصدًا ، وانتفع الناس بكلامه.
ومن جملة كراماته أن الأمير الكبير كبيش بن منصور كان متوليًا في المدينة نيابة عن أبيه ، فبلغه أن عمه مقبل بن جماز أقبل من الشام يريد المدينة ، فأمر كبيش بالاحتفاظ منه ، ونادى في الناس: أن لا ينام أحد في بيته ، وليذهبوا كلهم إلى القلعة يبيتون فيها ، وحولها ، وأن من تخلف عن ذلك حل ماله ودمه ، فلحق الناس من ذلك كرب عظيم ، ولم يسعهم غير الطاعة.