فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 375

أيتها المدينة المسكينة، عليك بالسكينة. أبي تُعرِّضين؟. أم لي تتعرضين؟. أم علي تستظهرين؟. أم مع وجودي تفتخرين؟. تالله ما سال إليك إلا ما فاض مني، ولا وصلك إلا ما فضل عني. أما علمت أن بَنيّتي أعظم البنِيّات؟ أما سمعت قوله تعالى (فيه آيات بينات) ؟ ألك مثل الكعبة ذات الستور؟ أو البيت المقابل للبيت المعمور؟ الذي هو عين الوجود، ومطلع السعود،، أفي صفاتك كالصفا؟ أم في نعيمك كالتنعيم؟ أم هل مقام لك مكان مقام إبراهيم؟ وهل حدى حادي مياهك بمثل المصافي وزمزم؟ أو تحققت بعلم الكيميا السعادة وظفرت بالحجر المكرم، الذي هو كالمقلة السوداء في البيت، أو كمشكاة فيها من الجنة زيت، فاربعي على نفسك، وإياك أن تترفعي على أبناء جنسك.! فإن كانت الصلاة في مسجدك بألف، فهي في مسجدي بمائة ألف، وحول بيتي من الملائكة الطائفين والمصلين كم من صف، وإن فخرت بحلول الشفيع ففيّ كان مسقط رأسه الرفيع:

بلاد بها نيطت عليّ تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها )) .

نلاحظ أن لغة المقامة يحكمها السجع والحرص على إيراد الجناس حيث تتشابه حروف كلمتين في العبارة وخاصة أواخر الجمل غير أن هذه المحسنات لا تطغى على المعنى ولا تعقد الأسلوب فالعبارات متوسطة الطول ومتوازنة، والمعنى يتسلسل من خلالها بيسر، واللغة سليمة وفصيحة ألفاظها مألوفة ليس فيها شيء من الغرابة أو التقعر.. النص الثالث الذي نعرضه من النثر التأليفي، مقتبس من كتاب نصيحة المشاور وتعزية المجاور لابن فرحون، يصف فيه أحد الشيوخ المجاورين الذين عرفهم عن قرب، هو عبد الله محمد بن غصن القصري الأنصاري وكانت له منزلة كبيرة في تونس، فجاء إلى المدينة مجاورًا وأقام فيها وهو يريد أن يتفرغ للعبادة دون أن يلفت إليه الأنظار، ولكن الناس عرفوه وشهدوا حدثًا كان له فيه شأن.. يقول (1) :

(1) نصيحة المشاور وتعزية المجاور ص75 ـ 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت