بدأ عماد الدين زنكي إثر تسلمه منصبه الجديد يعمل على تقوية إمارته، والقضاء على (إمارات التجزئة) المتصارعة، وتوحيد البلاد، لتكوين قوة قادرة على التصدي للصليبيين، فاتجه شرقًا أول الأمر، وضم الجزيرة إلى الموصل (1) حسب ما نص عليه مرسوم تعيينه، فأمَّن ظهره، ثم اتجه نحو حلب. وكانت أحوالها مضطربة، يتصارع عليها أميران متنافسان ويرهقان أهلها بالضرائب والاتاوات، بينما يهددها الصليبيون ويتخطفون الحصون والقرى من حولها، وفتحت حلب أبوابها لعماد الدين واستقبله أهلها بحفاوة، فقضى على المتصارعين عليها، وخلص أهلها من ضرائبهم وضمها إلى إمارته سنة 522 هـ. ونشر الأمن والعدل فيها (2) ، ثم أخذ ينظف المنطقة بينها وبين الموصل من الجيوب التجزيئية في سنجار والخابور وضم حران وإربل (3) ، ودخل في بعض الصراعات بين السلاجقة وخصومهم، تعرف خلالها على بني أيوب (4) واستطاع أن يبني إمارة قوية لها جيش يٌعتمد عليه، بعد ذلك أخذ عماد الدين يعمل في تحقيق هدفه الثاني، طرد الصليبيين واسترداد البلاد الإسلامية منهم، فاتجه بجيشه إلى أقرب حصن لهم في الأتارب، وحشد الصليبيون قوة كبيرة لصده، فانتصر عليهم واقتحم الحصن وفتحه (5) فكانت ضربة مريعة للصليبيين، أزالت هيبتهم من قلوب المسلمين، ثم أخذ يطاردهم في المناطق التي استولوا عليها، ونقل بعض قبائل التركمان القوية إلى أطراف حلب، وكانوا أشداء فأخذوا يشنون الغارات على الصليبيين (6) .. ثم توجه إلى إمارة الصليبيين في الرها واستولى على الحصون المنتشرة حولها، ثم اجتاحها (7) .
(1) تاريخ ابن خلدون 5/ 264.
(2) الروضتين 1/ 31.
(3) تاريخ ابن خلدون 5/ 266.
(4) الكامل 8/ 336.
(5) الكامل 8/ 331.
(6) تاريخ ابن خلدون 5/ 277.
(7) التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية ص80.