فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 375

ومن اللافت للنظر في أخبار هذه الحملة أن المدينة المنورة كانت كجزيرة معزولة لاحول لها ولا قوة، فهي لا تملك جيشا يذب عنها الغزاة، والسور الذي لم يمض وقت طويل على بنائه لم يكن كافيا لدفع الغزاة، والقبائل التي تحيط بالمدينة لا تتحمس لاعتراض الغزاة والايقاع بهم، وأقاربهم الهاشميون في مكة لا يفعلون شيئا لنجدتهم. ويبدو أن الضعف والتفكك كان عاما في المنطقة، وأن الخصومات بين القبائل حالت دون تشكيل قوة تقف في وجه ثلاثمئة صليبي!! وربما يكون للمفاجأة أثر في هذا الموقف فالحجازيون لم يحسوا قط بخطر الصليبيين، ولم تقترب منهم عواصف الحرب التي تدور في الشام ومصر، ولم يكونوا يتوقعون أن تدنس أرضهم أقدام الصليبيين. لذلك لم يعدوا للأمر عدته، وفاجأهم الغزاة فلم يتصرفوا على الوجه المطلوب. والمتوقع أن الغزاة لا يعرفون الطريق إلى المدينة ولا يستطيعون المضي في الحجاز دون دليل. فاستعانوا ببعض الأعراب وقد نجحوا من قبل في خداع بدو الأردن وجعلوهم ينقلون لهم سفنهم المفككة على جمالهم وأوهموهم أنهم ينقلون بعض البضائع ليس غير. على أي حال كان التفكك في الجزيرة العربية عاما، وكان انشغال صلاح الدين بمواجهة الصليبيين ومكانة الحرمين الكبيرة في نفسه ومكانة أميرها أيضا، تصرفه عن إلغاء استقلالها وضمها إلى سلطنته. ومع أنه وجه أخاه سيف الدين إلى اليمن ليدير شؤونها مباشرة، فإنه اكتفى بذكر اسمه في الخطبة على منابر الحرمين الشريفين بعد اسم الخليفة، وأقر الحسينيين في المدينة على إمارتهم، ولم يتدخل في شؤونهم قط، كما أقر الحسنيين على إمارتهم في مكة ولم يتدخل في شؤونهم أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت