وخلال القرن الخامس الهجري مر الفاطميون بضائقة شديدة فلم يرسلوا الأموال المخصصة للحرمين وكانت سنوات جدب في الحجاز فساءت الأحوال وقلت الأرزاق وغلت الأسعار وتأخرت رواتب الجند وبلغ الضيق ذروته عام 462 هـ فأخذ أمير مكة الذهب من باب الكعبة وأستارها وضربه دنانير سدَّ بها حاجة الإمارة، وحذا أمير المدينة حذوه فأمر أن تؤخذ القناديل الذهبية من المسجد النبوى ـ وهى هدايا من ملوك وأمراء و أثرياء من سائر العالم الإسلامى ـ و تصهر وتصك نقودا ليسد بها حاجة الإمارة أيضا. واستفاد الخليفة العباسى القائم بأمر الله من هذه الظروف فأرسل الهدايا والأموال إلى أمير مكة ووعده بأعطيات وافرة. واستجاب أمير مكة لعرض الخليفة العباسى فأرسل وفدًا برئاسة ابنه إلى بغداد، فاحتفى الخليفة بالوفد وأكرمه وأعطاه ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة وقرر للأمير راتبا سنويا قدره عشرة آلاف دينار، وأرسل إلى أمير المدينة (مهنا) رسالة شفوية يعرض عليه أن يحذو حذو أمير مكة وله عشرون ألف دينار (1) ويقرر ابن الجوزي أن أمير المدينة استجاب للعرض (2) . وفى السنة التالية استولى أمير مكة محمد بن جعفر على المدينة وتلقب بأمير الحرمين، ثم مات الخليفة العباسي القائم بأمر الله (وانقطع ما كان يصل إلى مكة فقطع محمد بن جعفر الخطبة للعباسيين) (3) وحولها إلى الفاطميين، فأرسل العباسيون في السنة التالية أموالا جزيلة مع قافلة الحج، وكان فيها الوزير الزيني، فأعاد محمد بن جعفر الولاء لهم (4) ومالبثت المدينة أن استقلت عن مكة بخروج محمد بن جعفر منها وعادت سلطة أمرائها الحسينيين كاملة، وحافظ هؤلاء على ولائهم الاسمي للعباسيين.
(1) انظر: الكامل 8/ 107 ــ 108.
(2) انظر: المنتظم 8/ 294.
(3) ابن خلدون 7: 133، العقد الثمين 1/ 422.
(4) السابق نفسه.