فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 375

نخرج من ذلك إلى أن الولاء الاسمي هو الرابط الذي كان يربط إمارة المدينة بالخلافة بينما السلطة الفعلية في الأمور كلها ـ بدءًا من اختيار الأمير ووصولا إلى الجبايات المالية ـ كانت للأسرة الحسينية وآل مهنا بالذات، الذين تولوا الإمارة منذ عهد طاهر بن مسلم سنة 367هـ وتوارثها أبناؤهم حتى العصر الذى ندرسه. وهذا الذى يجعلنا نقرر أن المدينة كانت في النصف الأول من القرن السادس الهجرى إمارة شبه مستقلة.

أما الحدود الجغرافية لإمارة المدينة المنورة في ذلك الوقت فمن العسير تحديدها خارج نطاق (البلدة) ذلك أن القبائل التى كانت تعيش في ريف المدينة أقرب إلى الاستقلال الكامل أيضا، تعيش في نظام عشائري وتحكمها الأعراف والتقاليد. ولم تكن لإمارة المدينة قوة عسكرية تستطيع أن تحميها عند اللزوم. فكان بعضها يشن غارات على القوافل المسافرة من المدينة وإليها ويغير أحيانا على المدينة ذاتها، وبالمقابل كانت فروع القبائل الحسينية تعيش في مناطق من ريف المدينة (1) . وليس فيما بين أيدينا من مصادر ما يشير إلى وجود سيطرة فعلية لأمير المدينة على القبائل المنتشرة في الريف، أو أن جباة الإمارة سواء جباة الزكاة أو المكوس و الفرائض الأخرى كانوا يجمعون من تلك القبائل الأموال. لذلك يمكن أن نتوقع أن العلاقة كانت تبنى على التحالف والصداقة وليس على السيادة والتبعية. وقد تعرضت المدينة خلال القرن الخامس لغزو أمير مكة شكر بن أبى الفتوح عام 436هـ. حيث حاصرها. ثم دخلها وأخرج آل مهنا منها وألحقها بإمارته (2) ، ولا نجد أية قبيلة تهب لنجدتها. وتكرر الغزو عام 463هـ عندما تولى محمد بن جعفر إمارة مكة حيث استعان بقوة من الأتراك جاءت مع قافلة الحج العراقية وحاصر المدينة ثم احتلها وأخرج منها الأمراء السليمانيين وتلقب بأمير

(1) انظر: توزع القبائل حول المدينة في معجم قبائل الحجاز لعاتق البلادي ص12.

(2) انظر: ابن خلدون 4/ 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت