وطبيعي أن يكون الاهتمام بهذه العلوم في المقام الأول، فالمدينة موئل التراث الإسلامي، ثم إن المناخ الإيماني العام، الذي يتعزز بالمسجد النبوي وبزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسلام عليه والجوار بقصد الاستزادة من العبادة وطبيعة العلماء الوافدين إلى المدينة.. كل هذا يجعل العلوم الدينية في مقدمة العلوم التي يهتم بها الناس في المدينة تليها علوم العربية التي تعد من مكملات العلوم الدينية.
وقد تبين لنا من خلال المعارف التي حازها العلماء والحلقات التي عقدوها أن فريقًا منهم اهتم بالعلوم الأخرى خاصة المنطق والجبر والحساب.. وألفوا فيها.
وثمة مؤثر آخر يدل على الحركة العلمية هو ازدهار الوراقة في المدينة آنئذ وكثرة النساخ الذين كانوا ينسخون الكتب، سواء منها المؤلفة من قبل والتي ترد من الآفاق، أو التي يؤلفها أصحابها من أهل المدينة والمجاورين فيها. ففي ترجمات أعلام تلك القرون يتكرر الحديث عن الذين (جوّدوا الخط، نسخوا كتبًا ومصنفات، اشتغلوابالنسخ) (1) وهذا يوفر لطلبة العلم والمثقفين والعلماء الاستزادة من المعرفة، والوقوف على جوانب أوسع من التراث، وعلى مؤلفات العلماء والمصنفين في أنحاء العالم الإسلامي.
وأخيرًا: إذا أردنا أن نصف الحركة العلمية في قرون الدراسة فينبغي أن نميز بين أمرين هما: الثقافة العامة، والإبداع العلمي.
فالثقافة تعني المعرفة واستيعاب العلوم والوقوف على آخر ما وصلت إليه، والإبداع يعني الإضافة المتجددة لما سبق أن وصل إليه الأسلاف..
(1) انظر مثلًا: الضوء اللامع 4/ 206 ـ 207، 5/ 46، 6/ 23، 8/ 60 ـ 118 ـ 10/ 147 و التحفة اللطيفة 1/ 177، 270، 505..