ونفهم من تلك العبارات أن حلقات العلم في المسجد النبوي استمرت على امتداد القرون الأربعة التي ندرسها، وكانت أشبه بجامعة حرة مفتوحة فيها شيوخ مقيمون، يديرون حلقاتهم لسنوات طويلة، ويتخرج منها العشرات من طلاب العلم، يتحول معظمهم إلى شيوخ في المدينة، أو في المدن التي جاوروا فيها، أو التي يرحلون إليها من بعد. وفيها شيوخ زائرون قدموا للمدينة في زيارة قصيرة أو جوار محدود، وكانت لهم شهرة سبقتهم إلى المدينة، فأقبل عليهم الطلاب والعلماء، وسألوهم أن يحدثوهم أو يقرأوا عليهم شيئًا من مؤلفاتهم، أو من التراث، فتصدروا لذلك مدة من الوقت ثم عادوا من حيث أتوا …
ومثلما تتعدد شخصيات شيوخ الحلقات، وبلادهم تتعدد الموضوعات التي يدرسونها والعلوم التي يفيضون بها على مستمعيهم، ويجيزون لمن يبرع في استيعابها أن يروي عنهم ما وعاه.. وأول هذه العلوم وأقدمها صلة بالمسجد النبوي القراءات القرآنية فمعلمها الأول هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يقرأ للصحابة ما ينزل عليه من الوحي، فيأخذونه منه، وكان الصحابة يعلم بعضهم بعضًا في المسجد، وينقل من حضر وسمع إلى من لم يحضر ولم يسمع، وحديث القراءة التي أنكرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصحابي (1) مشهور له دلالات كثيرة، منها تواتر الصحابة رضوان الله عليهم على السماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأخذ منه.
(1) انظر جامع الأصول 2/ 477 ـ 478.