فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 375

ولم يكد خشرم يتسلم الإمارة ويخطب على منبر المسجد النبوي حتى فوجئت المدينة المنورة بعجلان بن نعير وقد جمع جموعًا حاشدة من العربان، ومن أشرار الأشراف الذين اتخذوا حصونًا خارج المدينة (1) وجعلوها مراكز قوتهم ومنطلقهم للإغارة على المدينة والقوافل وبعض القرى، وكان فيهم ذريان الحسيني الطفيلي، وكانت له شهرة في الفتك، وكان الركب الشامي قد غادر المدينة المنورةإلى مكة المكرمة، وخرج معه عدد من أهلها للحج، ولم يبق فيها من يدافع عنها إلا رجال الإمارة، وأغلقت المدينة أبوابها وتحصن الناس داخل السور، ولكن رجال عجلان بدؤوا يفتحون ثغرات في السور ويشعلون النار في أبوابه، واستطاعوا بعد ثلاثة أيام من الحصار والمناوشات أن يقتحموا السور ويدخلوا المدينة ويستولوا على الإمارة ويقبضوا على أميرها الجديد خشرم بن دوغان، وقد ارتكب رجال عجلان جرائم كثيرة، فنهبوا بيوت الناس، واستولوا على الودائع التي تركها الركب الشامي إلى حين عودته من مكة، وأحرقوا بعض البيوت والدكاكين، ويذكر السخاوي أن بيوت الشيعة سلمت من هجماتهم، ومع أن الغزاة لم يكونوا كلهم من الشيعة، ففيهم العربان والبدو والطامعون في المال .. فإن تشيع عجلان جعلهم يتجنبون ممتلكات الشيعة، وربما يكون لعجلان دخل مباشر في ذلك (2) وهكذا تحول عجلان بن نعير من أمير المدينة الذي ضبط أمورها ويحمي أمنها وممتلكات أهلها إلى غازٍ يستعين بقطاع الطرق لينتقم من أهل المدينة، الذين لم تكن لهم يد في عزله .. ولاشك أن هذا التصرف يظهر الانحطاط الذي وصل إليه عجلان بن نعير وتخلخل القيم الذي مكنه من تكوين قوة شريرة تهاجم المدينة وتنهبها. والمدهش أن عجلان بن نعير أطلق سراح غريمه خشرم بن دوغان بعد أن قبض عليه .. ورد شيئًا من المنهوبات التي استولى عليها. كان أهل المدينة المنورة ضحايا هذا الصراع المر على

(1) التحفة اللطيفة 2/ 45.

(2) انظر التحفة اللطيفة 1/ 397 والسلوك ق2 ج4 ص728.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت