الدخان إلى السماء يخفي في ثناياه النار إلى مغيب الشمس، وفي الليل بدت ألسنة النار الهائلة (إشعالها أكثر من ثلاث منارات) تصعد في السماء ثم ينحدر منها شلال ضخم فيه صخور تحترق وأبخرة تتصاعد (1) . كان موقع البركان قريبًا من منطقة بني قريظة، ويبدو أنه رأس جبل من الجبال الصغيرة المنتشرة هناك وبجانبه واد كبير انهمرت فيه الحمم، وأخذت تجري محرقة كل ما تصادفه أمامها من نبات قليل وصخور صغيرة ولأول مرة يشاهد أهل المدينة نارًا على الأرض تمشي (مثل النهر أحمر وأزرق(2 ) ) واستمر تفجر البركان وارتفاع اللهب في عنان السماء طوال الليل، ولم يجرؤ الناس على الذهاب إلى المنطقة التي تفجر فيها، وتوجلت القلوب وأشفقت وأيقن الناس أن العذاب قد أحاط بهم (3) وتوجه القاضي سنان إلى أمير المدينة منيف بن شيحة ووعظه ونصحه أن يتوب إلى الله ويقلع عن ذنوبه فأعتق كل مماليكه، ورد على الناس مظالمهم وأبطل المكس (4) وهبط من قصره في القلعة ومعه أعيان البلد إلى المسجد النبوي، وتوجه أهل المدينة إليه ومعهم النساء والأطفال حتى لم يبق في النخل أحد، وأخذوا يبكون ويتضرعون إلى الله أن يكشف عنهم الضر وأحاطوا بالحجرة الشريفة كاشفين رؤوسهم مقرين بذنوبهم مبتهلين مستجيرين (5) وفي اليوم التالي شاهد الناس من أسطحة المنازل نهرًا من الحمم يتجمع في واد قرب موقع الانفجار، ثم يتحرك غربًا باتجاه المدينة ففزع الناس فزعًا شديدًا ولم يجسر أحد على الذهاب إلى المنطقة، وأرسل الأمير عددًا من الفرسان للإتيان بخبرها، فلم تجسر الخيل على القرب منها، فترجل أصحابها واقتربوا من نار الحمم (قدر غلوتين بالحجر) ولم يستطع أحد أن يجاوز موقعه من حرارة الأرض ومقابلة ما يتصاعد من اللهب (6)
(1) السابق 13/ 200.
(2) وفاء الوفا 1/ 143.
(3) وفاء الوفا 1/ 144.
(4) وفاء الوفا 1/ 144 والبداية والنهاية 13/ 201.
(5) وفاء الوفا 1/ 144.
(6) وفاء الوفا 1/ 145.