شهد عام 654 هـ منذ شهوره الأولى أحداثًا جيولوجية عدة في منطقة العراق والشام والحجاز فقد حدثت تغييرات مفاجأة في الطقس، وهطلت أمطار غزيرة أعقبتها سيول وفيضانات أغرقت بغداد وهدمت دورًا كثيرة (1) وعادت السفن تدخل إلى وسط البلدة وتخترق أزقة بغداد وحدثت سلسلة من الهزات الأرضية في منطقة الحجاز ووقع أعنفها في محيط المدينة المنورة وانتهت بانفجار البركان في أحد الجبال في حرة واقم، في الجهة الشرقية من المدينة. ففي يوم الاثنين أول جمادى الآخرة عام 654 هـ وقع زلزال خفيف أحس به بعض أهل المدينة ولم يشعر به الآخرون، ويبدو أن مركز هذا الزلزال كان بعيدًا عن المدينة فوصل إليه أطراف منه وتكررت الهزات الخفيفة في الليل، وسمع بعضهم له صوتًا يشبه صوت الرعد البعيد تارة تارة (2) وفي يوم الثلاثاء الثاني من جمادى الآخرة اشتدت الهزات وتوالت وأحس بها أهل المدينة جميعًا. وفي يوم الأربعاء الثالث من جمادى الآخرة حدثت زلزلة قوية في الثلث الأخير من الليل، فزع لها الناس، وقد وصف القاضي سنان أثرها في رسالته إلى أحد أصدقائه في الشام فقال: إنه كان في المسجد النبوي وأن المنبر قد اضطرب له حتى سمعوا صوت الحديد الذي فيه واضطربت قناديل الحرم (3) واتصلت الهزات على شكل نوبات متقطعة قدر عشر مرات (4) . وفي يوم الخميس الرابع من جمادى الآخرة استمرت الهزات المتقطعة أيضًا. وفي يوم الجمعة الخامس من جمادى الآخرة حدثت زلزلة قوية أعقبها دوي هائل مثل دوي الرعد القاصف، فارتاع الناس روعة عظيمة، وظهرت لهم نار هائلة تنفجر من الأرض في الجهة الشرقية من المدينة، وظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبيض كالسحاب الأبيض (5) واستمر تدفق
(1) وفاء الوفاء 1/ 151.
(2) البداية والنهاية 13/ 201.
(3) الذيل على الروضتين 191 والبداية والنهاية 13/ 201 ذيل مرآة الزمان 2/ 4.
(4) عقود الجمان 1/ 126.
(5) البداية والنهاية 13/ 203.