توزع أولاد عماد الدين السلطة على مناطق الإمارة الواسعة، وتولى نور الدين محمود مدينة حلب (1) ، وسار على نهج أبيه في توحيد البلاد ومجاهدة الصليبيين، وحاول الصليبيون استعادة الرها فتصدى لهم نور الدين (2) وهزمهم، وفي العام التالي أرسلت أوربا حملة لتعزيز قدرات الصليبيين في بلاد المسلمين واسترداد ما انتزعه نور الدين منهم فاتجهت الحملة إلى دمشق أولًا وحاصرتها فهب نور الدين محمود وأخوه سيف الدين غازي لنجدتها، فلما سمع الصليبيون بقدومهما انسحبوا عنها (3) ، وتبعهم نور الدين إلى بصرى وشتت جموعهم (4) ، وفي الوقت نفسه اهتم بتوحيد المنطقة ووقف الانقسام والتناحر، فمنع مظاهر التشيع (الآذان بحي على العمل والتطاول على بعض الصحابة) وتشدد في ذلك (5) ، وأخذ يضم المناطق الأخرى لدولته المتنامية فضم دمشق بعد أن هددها الصليبيون وعجز حاكمها عن مواجهتهم سنة 549هـ (6) ، واستعاد بعلبك سنة 550 هـ (7) ورغم انشغال نور الدين بهذه الحروب المتواصلة اهتم بتفقد شؤون الحرمين، وأرسل الأموال لأمرائها، وحج وزار المدينة ثم زارها ثانية لرؤيا رآها سنة 557 هـ، وأرسل أموالًا أخرى لبناء سور جديد فيها (8) ، وفي مصر كان الصراع بين المتنفذين وضعف الخليفة وفساد الإدارة يعطل قدراتها الكبيرة ويشغلها عن المشاركة في التصدي للصليبيين. وقد أدى استبداد الوزير شاور وسوء تصرفاته إلى أن يخرج عليه ضرغام أحد القادة العسكريين، ويستصدر مرسومًا بعزله (9) ، فخرج إلى نور الدين وطلب منه أن يرسل حملة إلى مصر. تردد نور الدين في إرسال جيش إلى مصر أول الأمر، كي لا يشتت جهوده وينشغل عن مواجهة الصليبيين، لكنه غير رأيه
(1) تاريخ ابن خلدون 5/ 279.
(2) السابق 5/ 280.
(3) الكامل 9/ 21.
(4) الروضتين 1/ 69.
(5) السابق 1/ 57.
(6) تاريخ ابن خلدون 5/ 283.
(7) تاريخ ابن خلدون 5/ 286.
(8) وفاء الوفا 2/ 652 ـ 653 وانظر ص44 من هذا البحث.
(9) الكامل 9/ 81.