وإذا أردنا تفسير تقدم أوربا والتي تمثل إنطلاقة النهضة الغربية، وبلوغها من التقدم مبلغه بعد نبذها للدين، سنقول بداية أنَّ تجربة الدين في أوربا كانت تجربة فاشلة مجحفة بكل المقاييس لأن الكنسية حكمت الناس وهي ترتدي عباءة الدين وهو الدين المحرَّف أصلًا من قِبَل البابوات وأشياعهم فلم تتمسك الكنسية بتعاليم المسيح الأولى، بل ظلت تزيد في الكتاب وتنقص وتدس به ما ليس منه على حسب مصالحها حقبة تلو حقبة، فتراكمت الظلمات بعضها فوق بعض ولاحول ولاقوة إلا بالله، وقد كان المسيح وأشياعه كبولس وبطرس وغيرهم ينادون سلوكيًا كما جاء في الكتاب المحرف بالتقشف والزهد والرهبانية التي ابتدعوها فما رعوها القساوسة حق رعايتها، بل كنزوا الثروات وظلموا الناس واضطهدوا العقول.
إذن فالكنسية اضطهدت الفكر وحرَّقت العلماء، وصلبتهم على مداخل المدن، وحجرت على العلم، واحتكرت فهم الدين، وأقامت محاكم التفتيش نتيجة الى تدفق العلوم على أوربا بسبب اقتباسها من حواضر العلوم في الدول الاسلامية التي كانت تمثل آنذام قمة التطور في العالم فحاكمت كل متهم بالهرطقة أي الإلحاد لمجرد أنه فكر في نظرية معينة أو اقتبس من علوم المسلمين شيئًا (كجور دانو برونو) و (كوبرنيكوس) و أشهرهم على الإطلاق (جاليليو) أما الأول فقد أعدموه حرقًا وهو حي وأما الثاني فمات قبل تنفيذ حكم الحرق وجاليليو ارتد عن افكاره ظاهرًا لينجو من الحرق!
فالاوربي في القرون الوسطى كان مجردًا من فهم الدين الذي تنطق الكنسية باسمه، ومجردًا من تجربة العلم الذي وصفته الكنيسة بالإلحاد، فعندما نبذ سلطة الكنيسة التي تحكمه باسم الدين، أُتيح له تجربة العلوم ودراستها بعد حجر الكنسية عنه هذا الأمر، فكان الاوربي كما قال أحد المفكرين: منطقي مع نفسه لأنه عندما ما يُذكر له الدين سيقدح في ذهنه تلك الصورة البشعة التي قدمتها الكنسية عن الدين، إلا أنَّ أوربا تحولت عياذا بالله من دينٍ بلا علم الى علمٍ بلا دين!
أما نحن المسلمون فلم يكن عندنا عداوة بين الدين والعلم المفيد الذي ليس له أضرار على حياة الناس ولا على أخلاقهم وعقيدتهم الصافية، بل بالعكس كنا نؤيد العلم ونغدق عليه الأموال من بيت المال، فقد كنا خلال نفس الفترة أمة تقدم ورقي وحضارة تقود العالم وتمده من فيض أشعتها الساحرة الباهرة في شتى المجالات، فديننا بحمدالله يأمرنا بعمارة الأرض، والتأمل والتفكر ببديع صنع الله ومخلوقاته، قال عز وجل: {قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشاة الاخرة ان الله على كل شيء قدير} ، كما يأمرنا في الوقت نفسه بالعمل الصالح المقرب من الجنة في الآخرة.
إذن فإنَّ تجربتنا عند تمسكنا بديننا تجربة حضارية رائعة ناجحة بكل المقاييس، وعندما نبذنا شيئًا من الدين ولم نجعله المهيمن على شؤون حياتنا خسرنا التقدم والرُقي بقدر ما ضيعنا من التمسك به، وأصبحنا نقتات على فتات مائدة التطور الغربي، لذلك أعتقد أنَّ الأولى على المسلمين اليوم أن ينادوا بالرجوع الى روح القرون الوسطى وجوهرها، أعني أعوام نهضة المسلمين وبلوغهم ذروة الحضارة و المجد، عندما كان الإسلام دين علم وعمل وعزة وتقدم وازدهار.