6 -ثم ما تركه الناسي خطأ أو نسيانًا قد عفا الله عنه بنص القرآن والسنة قال تعالى:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا"قال الله قد فعلت وفي الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وقول ابن عباس بإيجاب الدم على من نسي أو ترك شيئًا من نسكه تعارضه الآية والحديث الصحيح الذي رواه هو كما عند البخاري برفع الحرج عن من قدم نسكًا أو أخره يوم العيد.
7 -وكلمة (شيئًا) نكرة في سياق الشرط تفيد عموم المناسك كلها والسنن ولا قائل بوجوب الدم على تارك السنة لا من السلف ولا من الخلف.
مذهب أبي حنيفة ورواية في مذهب أحمد والمذهب القديم للشافعي:
أن من قدم أو أخر شيئًا من أنساك يوم العيد يلزمه دم وتمسكوا بظاهر الرواية كجملة ( .. لم أشعر) ( .. وكنت أحسب أن كذا وكذا وقيل كذا وكذا) وأولوا قول الرسول (أفعل ولا حرج) بأن الحرج المنفي هو الإثم فقط أما المتعمد فعليه الفدية لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب أعمال الحج ومنها أعمال العيد وقال: (خذوا عني مناسككم) وحديث عبد الله بن عمرو وغيره في جواز التقديم والتأخير مطلق فيحمل المطلق على المقيد فيستفيد التقييد.
وأيضًا حملوا الاستثناء في قوله (فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال أفعل ولا حرج) على أن الاستثناء والحصر إضافيان غير حقيقيين وأوجبوا الفدية على المتعمد فيمن ترك واجبًا أو نسي ركنًا كالإحرام لم ينعقد نسكه أصلا. ومن ترك الوقوف بعرفة ونحوها من الأركان إنه لا يزال محرمًا أما (السنة) فالإجماع منعقد أنه لا شيء على تاركها.
وقفات مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص:
ونظر لما في حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين ( .. أفعل ولا حرج) من التيسير أردت أن أقف معه عدة وقفات وبه يتبين رد قول ابن عباس:
الوقفة الأولى: هذا الحديث أصل بنيت عليه قواعد التيسير في الشرع وهو تفسير ويبان لقوله تعالى:"وما جعل الله عليكم في الدين من حرج"و"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".
الوقفة الثانية: الحديث نص على رفع الإثم والكفارة (الفدية) عمن قدم أو أخر أو نسي نسكًا من أنساك حجه عدا الإحرام (نية الدخول) والوقوف بعرفة ومزدلفة لانعقاد الإجماع على فرضها وترتيبها وكذلك طواف الوداع ليكون آخره عهده بالبيت الطواف.
الوقفة الثالثة: جملة (فما سئل عن شيء قدم ولا أخر ... ) لا مفهوم لها فلا فرق في عدم الترتيب بين العمد والنسيان والخطأ حيث جاءت على سبب لبيان الحال والواقع وهو ن الرسول جلس في منى عند الجمرة يسأله الناس والقاعدة عند الأصوليين أن الوصف أو القيد إذا جاء على سبب وكان لبيان الحال أو الواقع فإنه ليس له مفهوم يوقف عنده بدليل أن الرسول أجاز غير هذه الأعمال الأربعة (الرمي والحلق والذبح والطواف) فلما سئل عن تقديم السعي على الطواف أجازه وأجاز عدم المبيت بمنى لما استأذنه عمه العباس ليقوم بساقيه الحاج بمكة.
الوقفة الرابعة: تنقيح المناط في حديث (أفعل ولا حرج) وتنقيح المناط عند العلماء هو إضافة الحكم إلى سببه وذلك أن الرسول جلس للناس في منى يسألونه عن أفعال حجهم التي اخطئوا فيها فيصوبهم وقال (أفعل ولا حرج) فكون الرسول قعد للناس في منى أو غير منى لا أثر له في الحكم أو كونه واقفًا أو جالسًا أو على ناقة أو حمار لا معنى للحكم فيه وكذا لو كان السائل رجل أو امرأة وكذا لو شعر السائل بفعله أو لم يشعر للنسيان أو الخطأ في الترتيب كل هذه الأمور لا أثر لها في الحكم الذي هو (الإثم والفدية) فلا يتوقف الحكم على أفعال (الذبح والحلق والرمي) بل يتعداها إلى غيرها كالطواف والسعي والمبيت بمزدلفة وبمنى أيام التشريق.
الوقفة الخامسة: ألفاظ الحديث المشار إليها هي من (المطلق) وليست من ألفاظ (العموم) والمطلق عند الأصوليين هو: (ما تناول واحدًا غير معين كلفظ"رقبة"و"ولي"في قوله تعالى:"فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا"وقول رسول الله(لا نكاح إلا بولي) فيتناول واحدًا غير معين من جنس الرقاب والأولياء. وجملة (فما سئل عن شيء يومئذ قدم أو أخر إلا قال أفعل ولا حرج) يتناول كل فعل من أفعال الحاج يوم العيد قدم أو أخر أو نسي. وليست هذه الجملة من ألفاظ العموم لأن اليوم مقيد وموصوف بأنه يوم العيد وأما (لا) في قوله (لا حرج) فهي نافية للجنس المعنوي (الإثم) والمادي (الفدية) .
الوقفة السادسة: في الحديث دلالة على قاعدة (ترك الأستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم بالقول) وذلك أن الرسول لم يستفصل هل فعل الرجل ذلك عمدًا أو سهوًا وما الذي حمله على ذلك: فكأنه قال حكمًا واحدًا. فقوله (أفع ولا حرج) دليل يؤكد ذلك. وصلى الله على نبينا محمد.
المصدر: ( http://www.islamtoday.net/bohooth/artshow-86-104669.htm)
ملاحظة:
واضح أن البحث يفتقر إلى وحدة الموضوع، وبمعنى آخر إلى تحديد المسألة المراد بحثها، فهو تناول مسألتين، ولم يفصلهما، وهما:
1 -لزوم الدم على من ترك واجبًا.
2 -لزوم الدم على من أخل بترتيب أعمال يوم العيد.
وسبب هذا التداخل:
هو أن هناك روايتين لابن عباس أتتا على هاتين المسألتين، فظن أنهما مسألة واحدة.
وإلا فيجوز - وهو واقع أيضًا - أن يذهب ذاهبٌ إلى عدم لزوم الدم على من أخل بترتيب أعمال يوم العيد، ومع هذا فهو قائلٌ بلزوم الدم على من ترك واجبًا.
وليس واجبًا لمن التزم القول بوجب الدم لمن أخل بالنسك أن يكون ذاهبًا إلى لزوم الترتيب يوم العيد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)