و لقوَّة رواية منع صوم يوم الشك مُطلقًا من ناحية النصوص جنح الإمامان الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن مجدِّد الدعوة المحمدية شيخ الإسلام محمد بن الوهاب و ابنه الشيخ عبد اللطيف إليه في فتاواهما، في فتوى الشيخ عبد الرحمن:"أنَّ المنع هو اختيار شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: استدل الأئمَّة على تحريم صيامه بحديث عمَّار، و هو ما رواه أبو داود و النسائي و ابن ماجه و الترمذي، عن صِلة بن زفر، قال:"كنَّا عند عمَّار بن ياسر و أُتي بشاة مصلية فقال:كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال عمّار: من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ"، قلت: و هذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع، و قد جاء صريحًا في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غُمِّي الهلال، و هو عند البخاري في صحيحه:"
عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ قال: قال أبو القاسم ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ:"صوموا لرؤيته و أفطروا لرويته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين"، قال الحافظ: و هذا الحديث لا يَقبل التأويل، و ذكر أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو داود و أحمد و غيرهما عن عائشة قالت:"كان رسول الله ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثمَّ يصوم رمضان لرؤيته فإن غُمَّ عليه أتمَّ ثلاثين يومًا ثمَّ صام"، و هذا صريحٌ في أنَّه ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ لم يُشرِّع لأمَّته صيام الثلاثين إذا غُمَّ الهلال ليلته، فهذا و غيره من الأحاديث بيَّن أنَّ الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غُمَّ الهلال، و أنَّ السنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم يسر الهلال، و هو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ"اهـ."
و قال الشيخ عبد اللطيف في فتواه في المسألة:"و مع منع صومه من الأحاديث الصحيحة النبوية التي تعدَّدت طُرقها ما لا يدفعه دافعٌ، و لا يُقاومه مقاومٌ، و لا يُعارضه معارضٌ، و إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل"اهـ، و بيَّن الشيخ عبد اللطيف أنَّ رواية:"فاقدروا له"؛ تفسِّرها رواية مسلم من حديث ابن عمر: فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين"، و روايات:"إكمال العدة ثلاثين"."
قال: فتعيَّن ما قاله الجمهور؛ لأنَّ المُجمل يُحمل على المفصَّل، و المُشتبه على المُحكم. و إذا تبيَّن مُراده ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ تعيَّن و وَجب.
و الخلاصة أنَّ صيام يوم الشك ممنوع، ولا يُجزئ عن رمضان إذا تبيَّن أنَّه منه، و لا تخفى إذا تبيَّن أنَّه منه، و لا تخفى علينا الروايات الأخر فيه، و لكن وقوفًا مع النصوص اكتفينا برواية المنع، و اخترناها، و الله أعلم.
(3) الخلاف في مسألة توحيد الصوم و الفطر لا يضر: (ص156 - 157)
اطَّلع سماحة المفتي ـ رحمه الله ـ على ورقة المشروع الذي أُعدَّ لإجابة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية حول البحث في موضوع مواقيت أهلَّة رمضان و الفِطر و الحج.
فأجاب بقوله:
... و أُفيدكم أنَّ هذه مسألة فروعيّة، و الحقُّ فيها معروفٌ كالشمس. و الفصل في ذلك قوله ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، و الخلاف في تطبيق مدلول هذا الحديث و غيره بتأويل ـ اجتهادًا أو تقليدًا ـ مثل نظائره في المسائل الفروعيّة، و جِنس هذا الاختلاف لابدَّ منه في المسائل الفروعيّة، و لا يضر.
إنَّما الهامُّ هو النَّظر في الأصول العِظام التي الإخلال بها هادمٌ للدين من أساسه، و ذلك: مسائل توحيد الله ـ تعالى ـ بإثباتِ ما أثبت لنفسه في كتابه و أثبته له رسوله ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ من الأسماء و الصفات؛ إثباتًا بلا تمثيل و تنزيهًا بلا تعطيل. و كذلك توحيد الألوهية، و توحيد الربوبية، و كذا توحيد الاتِّباع، و الحكم بين الناس عند النزاع؛ بأن لا يُحاكم إلاّ إلى الكتاب و السنة، و لا يُحكم إلاّ بهما. و هذا هو مضمون الشهادتين اللتين هُما أساس الملة: شهادة أن لا إله إلاّ الله، و أنَّ محمدًا رسول الله، بأن لا يُعبد إلاّ الله، و لا يُعبد إلاَّ بما شرعه رسوله ـ صلّى الله عليه و سلّم ـ، و أن لا يُحكم عند
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)