فائدة: وأما كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير. قال النسفي في عقائده: النصوص محمولة على ظواهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد. وقال التفتازاني في شرحه: سميت الملاحدة باطنية لا دعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم.
وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق، تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان.
فإن قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل آية ظهر وبطن، ولكلّ حرف حدّ، ولكل حد مطلع» [1] .
قلت: أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه: أحدها أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها، وقفت على معناها. والثاني ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود فيما أخرجه. والثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع، وهو أقرب إلى الصواب، أن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية، وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم. والخامس أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنه من الأسرار أطلع الله عليها أرباب الحقائق.
ومعنى قوله: ولكل حرف حد، أي منتهى فيما أراد من معناه. وقيل: لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. ومعنى قوله: ولكل حد مطلع، لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته، ويوقف على المراد به.
وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب، يطلع عليه في الآخرة عن المجازاة.
وقال بعضهم: الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم فهذا يدل على أن في فهم المعاني للقرآن مجالا متسعا، وأن
(1) غريب الحديث: 2/ 59.