فإن ترك اتباعه فيها يفضي إلى ما قالوه، ومع هذا لا يجب اتباعه وعلى [106/ب] أن هذا يوجب المشاقة في حق من لا يوجبها، وعندنا أنه يجب اتباعه فيها، وإنما تختلف في الطريقة التي بها يجب، فلا يصح ماقالوه.
يجوز أن يكون النبي الثاني متعبدًا بما تعبد به الأول، والعقل لا يمنع من ذلك؛ لما فيه من المصلحة له، فلما لم يمنع أن يتفق حكم زيد وعمرو فيما هو مصلحة لهما من الشرعيات، ولم يمتنع أيضًا أن يختلف حكمهما في ذلك، وجب أن يجوز كون النبي الثاني متعبدًا بما تعبد به الأول.
فإن قيل: لو جاز أن يكون الثاني متعبدًا بما كان الأول متعبدا به لكان لا فائدة في بعثه وإظهار الإعلام على يده: ولأنه لم يأت بشريعة مبتدأة، وإنما نقل إلى قومه شريعة من تقدمه.
قيل: إنما يحسن إظهار الإعلام على يد النبي الثاني؛ لأنه لا بد من أن يأتي بما لا يعرف إلا من جهته، إما أن يكون ما يأتي به في شريعة مبتدأة، أو يكون ذلك مما كان الأول متعبدًا به، إلا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف إلا من جهة النبي الثاني (2) .
فإن قيل: فما أنكرتم أن لا يجوز أن يتعبد الثاني بخلاف ما كان الأول
(1) راجع هذه المسألة في:"المسودة"ص (182) ، و"التمهيد في أصول الفقه"الورقة (104/أ) ، و"روضة الناظر"وشرحها"نزهة الخاطر العاطر" (1/400) وما بعدها.
(2) وقد تعقبه شيخ الاسلام ابن تيمية في"المسودة"ص (183) بقوله: (وهذا فيه نظر، فإنه يجوز عندنا إظهار الكرامات للأولياء، فكيف للنبي المتبع؟ وتكون فائدته التقوية كأنبياء بني إسرائيل) .