كذلك جعل غلبة الظن شرطًا في تعلق الأحكام بها عند وجودها، ولا فرق بينهما.
فإن قيل: لا يحصل العلم ولا الظن بالنظر في هذه الأصول، وليس فيها طريق لذلك.
قيل: هذا غلط؛ لأن الفقهاء على كثرة عددهم واختلاف مذاهبهم من أصحاب أحمد -رحمه الله- وأبى حنيفة ومالك والشافعي وسائر [الفقهاء] يذكرون أنهم يظنون فيها، والعلم الضروري يحصل بخبر بعضهم، فإذا كان كذلك كان معلومًا من طريق الضرورة، وكان الجاحد لذلك مبطلًا، كما إذا أنكر الظن، وكما ينكر النفور، والسكون، والغم، والذوق.
فإن قيل: قد يظنون، ولكن ظنهم فاسد؛ لأنه واقع عن طريق يقتضي الظن، وهو بمنزلة من ظن أن البناء الصحيح الجديد يقع عليه، أو رأى ثورًا فظنه سبعًا، وفزع منه.
قيل: للظن طريق فيها، ولا نسلِّم ما قاله المخالف، فإن دل على دعواه بأن الظن لا يقع إلا عن عادة، فإن رأى الغيم كثيفًا منيعًا خشى مجيء المطر، وغلب على ظنه ذلك، لما سبق من العادة، فليس بيننا وبين الله تعالى في هذه الأحكام عادة، فلا يجوز أن يكون فيها طريق للظن.
قيل: طريق الظن هو وجود الشىء في الاكثر من نظائره، ولهذا يغلب على الظن وقوع الحائط إذا انشق [195/أ] ، عرْضًا، ويغلب على الظن إذا عرَض غيم أسود مُسِف (1) أنه يكون منه مطر؛ لأن الغالب من مثله مجيء المطر، وإنما
(1) توصف السحابة بذلك إذا دنت من الأرض. قال الشاعر يصف سحابًا قرب من الأرض:
دانٍ مُسِف فُوَيْقَ الأرْضِ هَيْدَبُه ... يكادُ يدفعُه من قامَ بالرَّاح
انظر: اللسان (11/54) مادة (سفف) ومعجم مقاييس اللغة (3/57) مادة (سفّ) .