وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم، وخبث طويتهم، لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد، وعن السعى في الأرض من أجل طلب الرزق الذى أحله الله.
والنهى في قوله - تعالى {لاَ تَكُونُوا كالذين كَفَرُوا} يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين: مقام الإيمان ومقام الكفران، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين، بعد أن رفعه الله بالإيمان إلى أعلى عليين، وفى هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير.
واللام في قوله {لإِخْوَانِهِمْ} يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال: قوله: {وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ} أى لأجل إخوانهم، كقوله - تعالى - {وَقَالَ الذين كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب، ويكون المعنى: لا تكونوا أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الأحياء: لو كان أولئك الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ما أصابهم من الموت أو القتل.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل إن قوله {قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ} يدل على الماضى، وقوله {إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرض} يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب من وجوه:
أولها: أن قوله {قَالُوا} تقديره: يقولون، فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا.
وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضى للتأكيد وللإشعار بأن جدهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد ينظر لى هذا المستقبل كالكائن الواقع.
وثانيها: أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية. والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول: قالوا.
وثالثها: قال"قطرب"كلمة"إذ"و"وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى".
وقوله {أَوْ كَانُوا غُزًّى} معطوف على {ضَرَبُوا فِي الأرض} من عطف الخاص بعد العام، اعتناء به لأن الغزو هو المقصود في هذا المقام وما قبله توطئة له.