فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 460

والمراد في الموصول في الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم تمنعهم الجراح عن الخروج للقتال، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك إن الناس قد جمعوا لكم.

والمراد من الناس الأول وهو قوله {الذين قَالَ لَهُمُ الناس} جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود

قال صاحب الكشاف: فإن قلت كيف قيل"الناس"إن كان نعيم هو المثبتط وحده؟ قلت: قيل ذلك؛ لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل، ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد وبرد فرد. أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه، ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه.

والمراد من الناس الثانى وهو قوله: {إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخشوهم} أبو سفيان ومن معه. فأل فيهما للعهد، والناس الثانى غير الأول.

وقوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء المثبطين: {إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخشوهم} أى إن أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأصلوكم، فاخشوهم ولا تخرجوا لقتالهم.

وحذف مفعول {جَمَعُوا} فلم يقل: جمعوا جيشا كبيرا أو جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم وذلك ليذهب الخيال كل مذهب في مقدار ما جمعوا من رجال وسلاح وأموال، ولمن هذا القول الذى صدر من هؤلاء المثبطين، لم يلتفت إليه المؤمنون الصادقون المخلصون في جهادهم وفى اعتمادهم على خالقهم، بل كانوا كما أخبر الله تعالى - عنهم {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} .

أى أن هذا القول الذى قاله المثبطون، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، ويقينا على يقينهم، وثباتا على ثباتهم، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة واطمئنان: {حَسْبُنَا الله} أى كافينا الله أمر أعدائنا {وَنِعْمَ الوكيل} أى نعم النصير خالقنا - عز وجل - فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا.

وقولهم هذا يدل دلالة واحضة على قوة إيمانهم، وشدة ثقتهم في نصر الله - تعالى - لهم، مهما كثر عدد أعدائهم، ومهما تعددت مظاهر قوتهم.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانًا؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم، وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج. ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يا رسول الله: إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت