فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 460

وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون، وليس في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سياحة إلا الهجرة.

وعن عكرمة أنهم طلبة العمل، لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه.

وقيل: هم المجاهدون في سبيل الله، لما أخرج الحاكم وصححه والطبرانى وغيرهما،"عن أبى أمامة أن رجلا استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السياحة فقال: إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله". والذى نراه أقرب إلى الصواب أن المراد بالسائحين هنا: السائرون في الأرض لمقصد شريف، وغرض كريم. كتحصيل العلم، والجهادفى سبيل الله، والتدبر في ملكوته - سبحانه - والتفكر في سنته في كونه، والاعتبار بما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب.

ولعل ما يؤيد ذلك أن لفظ"السائحون"معناه السائرون، لأنه مأخذو من السيح وهو الجرى على وجه الأرض، والذهاب فيها. وهذه المادة تشعر بالانتشار، يقال: ساح الماء أى جرى وانتشر.

وما دام الأمر كذلك فمن الأولى حملا للفظ على ظاهره، ما دام لم يمنع مانع من ذلك، وهنا لا مانع من حمل اللفظ على حقيته وظاهره.

أما الأحاديث والآثار التى اشتشهد بها من قال بأن المراد بالسائحين الصائمون فقد ضعفها علماء الحديث.

قال صاحب المنار: وأقول: وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مروفوعًا وموقوفًا حديث:"السائحون هم الصائمون"لا يصح رفعه. .

وفضلا عن كل هذا، فإن تفسير السائحين بأنهم السائرون في الأرض لكل مقصد شريف، وغرض كريم. . . يتناول الجهاد في سبيل، كما يتناول الرحلة في طلب العلم، وغير ذلك من وجوه الخير.

وما أكثر الآيات القرآنية التى حضت على السير في الأرض، وعلى التكفر في خلق الله، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين} وقوله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} قال الإِمام الرازى: للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأن الإِنسان يلقى الأكابر من الناس، يفتخر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتقع بها، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله. تعالى. في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته. وبالجلمة فالسياحة لها آثار قوية في الدين

ثم بين - سبحانه - أنه لا يصح للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولا للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين مهما بلغت درجة قرابتهم، لأن رابطة العقيدة هى الوشيجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت