هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون باللّه: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) . . .
وصدق اللّه. وصدق رسول اللّه. .
وفي التفسير الوسيط [1] :
قال الفخر الرازى: أعلم الله - تعالى - لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم وفرع كل قسم ما كان لائقا به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحيقته فقال - تعالى: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين} الآية.
وقال القرطبى:"نزلت هذه الآية في البيعة الثانية، وهى بيعة العقبة الكبرى وهى التى أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبى - صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم: أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشكروا به شيئا، وأشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فإذا فعلنا فمالنا؟ قال:"
"لكم الجنة"قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقبل فنزلت هذه الآية"."
ثم هى بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. تثميل للثواب الذى منحه الله - تعالى - للمجاهدين في سبيله.
فقد صور - سبحانه - جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، وإثابته - سبحانه - لهم على ذلك بالجنة، صور كل ذلك بالبيع والشراء.
أى: أن الله - تعالى - وهو المالك لكل شئ، قد اشترى من المجاهدين أنسهم وأموالهم التى بذلوها في سبيله، وأعطاهم في مقابل ذلك الجنة.
قال أبو السعود: الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الجهاد. . وقد بلوغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبّر عن قبول الله - تعالى - من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التى بذلوا في سبيله - تعالى - وإثباته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية. ثم جعل المبيع الذى هو العمدة والمقصد في العقد: أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن الذى هو الوسيلة في الصفقة: الجنة.
ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة، وما بله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأمول وسيلة إليها، إيذانا بتعليق كمال العناية بهم وبأوالهم.
(1) - التفسير الوسيط - (ج 1 / ص 2048)