فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 460

كَانَ أَفْضَلُهُمْ يَوْمَئِذٍ. لِأَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ. 301 - ثُمَّ رُوِيَ حَدِيثُ جَابِرٍ {أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَادَى يَوْمَئِذٍ: ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ} وَهَذَا حَسَنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَإِنَّمَا صَنَعَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ كَرِهَ الْمَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْلِ مَعَ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْقَرْحِ. 302 - وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اُسْتُعْمِلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى جَيْشٍ , فَكَرِهَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الْخُرُوجَ مَعَهُ , ثُمَّ نَدِمَ نَدَامَةً شَدِيدَةً فَغَزَا مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ , فَحَضَرَ , فَأَتَاهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَعُودُهُ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. إذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلُونِي وَكَفِّنُونِي ثُمَّ احْمِلُونِي حَتَّى تَاتُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , ثُمَّ تَامُرُهُمْ فَيَدْفِنُونِي. وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَحَبَّهُ إمَّا لِيَكُونَ أَقْرَبَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَيَنَالَ ثَوَابَ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا , أَوْ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الشُّهْرَةِ بِكَثْرَةِ الزِّيَارَةِ. فَقَدْ قَالَ عليه السلام: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي بَعْدِي مَعْبَدًا} . وَقَالَ: {قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} . وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَدَفَنُوهُ لَيْلًا , فَصَعِدَ مِنْ قَبْرِهِ نُورٌ إلَى السَّمَاءِ , وَرَأَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ رَسُولُهُمْ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: صَاحِبٌ لِنَبِيِّنَا. فَأَسْلَمُوا لَمَّا رَأَوْا.

303 -وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشِيِّ فَنُقِلَ مِنْهُ وَدُفِنَ بِمَكَّةَ. فَجَاءَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها حَاجَةً أَوْ مُعْتَمِرَةً فَزَارَتْ قَبْرَهُ وَقَالَتْ: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنْ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا أَنَا وَاَللَّهِ لَوْ شَهِدْتُك مَا زُرْتُك , وَلَوْ شَهِدْتُك مَا دَفَنْتُك إلَّا فِي مَكَانِك الَّذِي مِتَّ فِيهِ. وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ التَّأَسُّفِ عَلَيْهِ حِينَ مَاتَ فِي الْغُرْبَةِ , وَلِإِظْهَارِ عُذْرِهَا فِي زِيَارَتِهِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ عليه السلام: {لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ} يَمْنَعُ النِّسَاءَ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. وَالْحَدِيث وَإِنْ كَانَ مُؤَوَّلًا فَلِحِكْمَةٍ ظَاهِرَةٍ قَالَتْ مَا قَالَتْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُدْفَنَ الْقَتِيلُ وَالْمَيِّتُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي مَقَابِرِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا مَاتَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها دُفِنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ 304 - قَالَ: وَلَوْ نُقِلَ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَاسَ بِهِ. وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ النَّقْلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدِ مَكْرُوهٌ , لِأَنَّهُ قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي لَا يُكْرَهُ النَّقْلُ فِيهَا بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ (62 ب) فَالْأَرْضُ كُلُّهَا كِفَاتٌ لِلْمَيِّتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} . إلَّا أَنَّ الْحَيَّ يَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لِغَرَضٍ لَهُ فِي ذَلِكَ , وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ إلَّا تَاخِيرُ دَفْنِهِ أَيَّامًا كَانَ كَافِيًا فِي الْكَرَاهَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت