فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 460

عَلَيْهِمْ ثُمَّ سَمِعَ جَابِرٌ رضي الله عنه مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُدْفَنَ الْمَوْتَى فِي مَصَارِعِهِمْ فَرَجَعَ فَدَفَنَهُمْ فِيهَا وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ وَلِهَذَا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ {وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ} وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِمَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْكَرَامَةِ وَالْعَبْدُ وَإِنْ تَطَهَّرَ مِنْ الذُّنُوبِ فَلَا تَبْلُغُ دَرَجَتُهُ دَرَجَةَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الدُّعَاءِ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا إشْكَالَ أَنَّ دَرَجَتَهُ فَوْقَ دَرَجَةِ الشُّهَدَاءِ وَالشَّهِيدُ حَيٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَهُوَ مَيِّتٌ يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ وَتَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَفَرِيضَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَكَانَ فِيهِ مَيِّتًا يُصَلَّى عَلَيْهِ

(قَالَ) : وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ [1]

لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَكُلُومِهِمْ} وَرُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ لَمَا اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْجَمَلِ قَالَ: لَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا وَلَا تَنْزِعُوا عَنَى ثَوْبًا فَإِنَى رَجُلٌ مِحْجَاجٌ أُحَاجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَنِي وَلَمَّا اُسْتُشْهِدَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِصِفِّينَ قَالَ: لَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا وَلَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا فَإِنِّي أَلْتَقِي وَمُعَاوِيَةَ بِالْجَادَّةِ وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ غَيْرَ أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ وَالْجِلْدُ وَالْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَبِسَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِدَفْعِ بَاسِ الْعَدُوِّ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْفِنُونَ أَبْطَالَهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَسْلِحَةِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ

(قَالَ) : وَيَزِيدُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ مَا شَاءُوا وَيَنْقُصُونَ مَا شَاءُوا [2]

وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الثَّلَاثِ فِي الْكَفَنِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَيَخِيطُونَهُ إنْ شَاءُوا كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَوْتَى إنَّمَا لَا يُزَالُ عَنْهُ أَثَرُ الشَّهَادَةِ فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوْتَى

(قَالَ) وَإِنْ حُمِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فِي بَيْتِهِ أَوْ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ غُسِّلَ لِأَنَّهُ صَارَ مُرْتَثًّا

وَقَدْ وَرَدَ الْأَثَرُ بِغُسْلِ الْمُرْتَثِّ وَمَعْنَاهُ مِنْ خَلَقَ أَمْرُهُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ يُقَالُ: ثَوْبٌ رَثٌّ أَيْ خَلَقٌ. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه لَمَا طُعِنَ حُمِلَ إلَى بَيْتِهِ فَعَاشَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ غُسِّلَ وَكَانَ شَهِيدًا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ رضي الله عنه حُمِلَ حَيًّا بَعْدَ مَا طُعِنَ ثُمَّ غُسِّلَ وَكَانَ شَهِيدًا فَأَمَّا عُثْمَانُ رضي الله عنه فَأُجْهِزَ عَلَيْهِ فِي مَصْرَعِهِ وَلَمْ يُغَسَّلْ فَعَرَفْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الشَّهِيدَ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ مَنْ أُجْهِزَ عَلَيْهِ فِي مَصْرَعِهِ دُونَ مَنْ حُمِلَ حَيًّا وَهَذَا إذَا حُمِلَ لِيُمَرَّضَ فِي خَيْمَتِهِ أَوْ فِي بَيْتِهِ وَأَمَّا إذَا جُرَّ بِرِجْلِهِ مِنْ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لِكَيْ لَا

(1) - المبسوط - (ج 2 / ص 398)

(2) - المبسوط - (ج 2 / ص 399) وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 3 / ص 370)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت