نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمَا وَأَطْرَفُ شَيْءٍ احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ} . فَقُلْنَا: يَا هَؤُلَاءِ , وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ الْإِثْقَالَ هُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ هَبْكُمْ أَنَّهُ إثْقَالٌ , لَا مَا قَبْلَهُ , فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ مَنْعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ مَالِهَا إذَا أَثْقَلَتْ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَمْرَاضِ , فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ صَاحِبٍ وَلَا تَابِعٍ أَصْلًا , وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ , فَحَصَلَ قَوْلُهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُ أَصْلًا لَا مِنْ قُرْآنٍ , وَلَا مِنْ سُنَّةٍ , وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ , وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ , وَلَا قِيَاسٍ , وَلَا نَظَرٍ , وَلَوْ أَنَّ امْرَأً ادَّعَى عَلَيْهِمْ خِلَافَ إجْمَاعِ كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الصِّدْقِ مِنْ دَعْوَاهُمْ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ فِيمَا قَدْ صَحَّ فِيهِ الْخِلَافُ , كَمَا أَوْرَدْنَا عَنْ مَسْرُوقٍ , وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا , إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: نَقِيسُ ذَلِكَ عَلَى الْوَصِيَّةِ. فَقُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ الصَّحِيحِ , وَالْمَرِيضِ سَوَاءٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الثُّلُثِ , فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا مِنْ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ سَوَاءً , فَهَذَا قِيَاسٌ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِهِمْ. وَقَالُوا: نَتَّهِمُهُ بِالْفِرَارِ بِمَالِهِ عَنْ الْوَرَثَةِ. فَقُلْنَا: الظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ , وَلَعَلَّهُ يَمُوتُ الْوَارِثُ قَبْلَهُ فَيَرِثُهُ الْمَرِيضُ فَهَذَا مُمْكِنٌ - وَأَيْضًا: فَإِذْ لَيْسَ إلَّا التُّهْمَةُ فَامْنَعُوا الصَّحِيحَ أَيْضًا مِنْ أَكْثَرِ ثُلُثِ مَالِهِ , وَاتَّهِمُوهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَفِرُّ بِمَالِهِ عَنْ وَرَثَتِهِ , فَجَائِزٌ أَنْ يَمُوتَ وَيَرِثُوهُ كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَرِيضِ , وَجَائِزٌ أَنْ يَمُوتَ الْوَارِثُ فَيَرِثَهُ الْمَرِيضُ كَمَا يَرِثُهُ الصَّحِيحُ وَلَا فَرْقَ , وَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ يَمُوتُ قَبْلَ مَرِيضٍ. وَأَيْضًا: فَاتَّهِمُوا الشَّيْخَ الَّذِي قَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ وَامْنَعُوهُ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ لِئَلَّا يَفِرَّ بِمَالِهِ عَنْ وَرَثَتِهِ. فَإِنْ قُلْتُمْ: قَدْ يَعِيشُ أَعْوَامًا؟ قُلْنَا: وَقَدْ يَبْرَأُ الْمَرِيضُ فَيَعِيشُ عَشَرَاتِ أَعْوَامٍ , وَإِذْ لَيْسَ إلَّا التُّهْمَةُ , فَلَا تَتَّهِمُوا مَنْ يَرِثُهُ وَلَدُهُ فَاجْعَلُوا فِعْلَهُ مِنْ رَاسِ مَالِهِ , وَاتَّهِمُوا مَنْ يَرِثُهُ عَصَبَتُهُ فَلَا تُطْلِقُوا لَهُ الثُّلُثَ. فَإِنْ قَالُوا: هَذَا خِلَافُ النَّصِّ؟ قُلْنَا: وَفِعْلُكُمْ خِلَافُ النَّصِّ فِي التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يُحِبُّهُ الْمَرْءُ مِنْ مَالِهِ , قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . وَالْمَرِيضُ أَحْوَجُ مَا كَانَ إلَى ذَلِكَ. {وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: جُهْدُ الْمُقِلِّ} . فَإِنْ قَالُوا: قَدْ {سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَامُلُ الْغِنَى لَا أَنْ تُمْهِلَ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا , أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ؟} . قُلْنَا: نَعَمْ , هَذَا حَقٌّ صَحِيحٌ , وَإِنَّمَا فِيهِ تَفَاضُلُ الصَّدَقَةِ فَقَطْ , وَلَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ مِنْ مَرَضٍ , وَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ أَصْلًا , لَا بِنَصٍّ , وَلَا بِدَلِيلٍ , وَلَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.