وروى ابن مردويه عن عطاء قال:"انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة - رضى الله عنها - فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب فقال لها ابن عمر: أخبرينا بأعجب ما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكت وقالت: كل أمره كان عجبا!! أتانى في ليلتى حتى مسَّ جلده جلدى ثم قال: يا عائشة: ذرينى أتعبد لربى - عز وجل - قالت: فقلت والله أنى لأحب قربك وإنى أحب أن تعبد ربك."
فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى. ثم إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ويحك يا بلال!! وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله على هذه الليلة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} إلخ الآيات.
ثم قال: ويل لمن يقرأها ولم يتفكر فيها"."
ثم وصف - سبحانه - أولى الألباب بصفات كريمة فقال: {الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِهِمْ} .
فقوله {الذين يَذْكُرُونَ} إلخ. في موضع جر على أنه نعت لأولى الألباب. ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح.
أى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} لآيات واضحات على وحدانية الله وقدرته، لأصحاب العقول السليمة، الذين من صفاتهم أنهم {يَذْكُرُونَ الله} أى يستحضرون عظمته في قلوبهم، ويكثرون من تسبيحه وتمجيده بألسنتهم، ويداومون على ذلك في جميع أحوالهم. فهم يذكرونه قائمين، ويذكرونه قاعدين. ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله {قِيَامًا وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِهِمْ} أن ذكرهم الله - تعالى - بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة أحوالهم"."
وقوله {قِيَامًا وَقُعُودًا} منصوبان على الحالية من ضمير الفاعل في قوله: {يَذْكُرُونَ} .
وقوله {وعلى جُنُوبِهِمْ} متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى: وكائنين على جنوبهم أيى مضطجعين.
ثم وصفهم سبحانه وتعالى بوصف آخر فقال: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} أى أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر الله - تعالى -، ولا يكتفون بذلك، بل يضيفون إلى هذا الذكر والتدبر والتفكر في هذا الكون وما فيه من جمال