أى: إن في إيجاد السموات والأرض على هذا النحو البديع، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار. . . وفى إيجاد الليل والنهار على تلك الحالة المتعاقبة، وفى اختلافهما طولا وقصرا. . في كل ذلك لأمارات واضحة، وأدلة ساطعة، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وباهر حكمته
وصدرت الجملة الكريمة بحرف"إن"للاهتمام بالخبر، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة.
أى إن في إيجاد السموات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب، وما اشتملتا عليه من البدائع، وفى اختلاف الليل والنهار. . . إن في كل ذلك من العبر والعظات ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية الله، وكمال قدرته وحكمته.
والمراد بأولى الألباب: أصحاب العقول السليمة، والأفكار المستقيمة، لأن لب الشىء هو خلاصته وصفوته.
ولقد قال الزمخشرى في صفة أولى الألباب:"هم الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة. وفى الحكم: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب متفكرا في قدرة مقدرها، متدبرا في حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر"
هذا، وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار في فضل هذه الآيات العشر التى اختتمت بها سورة آل عمران، ومن ذلك قول ابن كثير - رحمه الله: وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقد روى البخارى - رحمه الله - عنابن عباس - رضى الله عنهما - قال: بت عند خالتى ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد: فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} . . . الآيات.
ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح.
وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} إلى آخر السورة.
ثم قال:"اللهم اجعل في قلبى نورًا، وفى سمعى نورًا، وفى بصرى نورًا، وعن يمينى نورًا، وعن شمالى نورًا، ومن بين يدى نورًا، ومن خلفى نورًا، ومن فوقى نورًا، ومن تحتى نورًا. وأعظم لى نورًا يوم القيامة".