وبنزول الثلاثة إلى الأرض ـ وهم طَرَفان في العداوة: إبليس طرف، وآدم وحواء طرف آخر ـ وُجِدَ الشَّرُّ والخير على هذه الأرض، ووُجد الصراع بينهما، ويستمرُّ هذا الصراع إلى حين وهو يوم تقوم الساعة، وبنو آدم ـ بعد آدم وحواء ـ دخلوا مجال الاختبار والابتلاء في هذه الدنيا وعلى هذه الأرض والإنسان؛ لأنه مخلوق مركّب، كانت مادّته مصدر غرائزه وشهوته وهواه، وكان عقله مصدر حِكمته، ولكن عندما اتَّضح في اختبار آدم وحواء وهما في الجنّة، أن شهوتهما أو وسوسة الشيطان لهما كانت أقوى من صوت العقل والحكمة عندهما ـ ولذلك كان عصيانهما لربِّهما ـ شاء فضل الله أن يُعين الناس على استخدام العقل والحكمة في مواجهة الشهوة والهوى وفي مواجهة غرائزه التي تمثِّل خلقه من المادة وذلك برسالة الرسل إلى الناس ومعهم كتاب الهداية: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ والذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ) . (البقرة 38،39)
وإذا كان اختبار الملائكة في طاعة الله تَمَّ من يوم أن سجدوا جميعًا عدَا إبليس، فإن اختبار بني آدم في طاعته ـ سبحانه ـ مستمِر، ما دامت الأرض هي الأرض والسَّماوات هي السَّماوات مع أن الإنسان قد أُعِدَّ بالعقل، فإن فضل الله عليه قد تعدَّى ذلك إلى إرسال الرسل له، لتكونَ رسالتهم عونًا لعقول البشر على وُضوح الرؤية والتمييز بين الضلال والهداية.
والصِّراع في الإنسان هو صراع بين مادته وغرائزه من جانب، وعقله وحكمته من جانب آخر. أو صراع بين الشَّرِّ والخير فيه والسيد من الناس هو الذي يجعل مِن عقله مِيزانًا لمَا يهوى ويشتهي والمؤمن بالله هو الذي يستعين بهداية الله في كتابه ليكون عقله ذلك الميزان الذي يقيمه من نفسه.