وأن الولد الأكبر ألْحقه والده في حياته بإحدى كليات الجامعة بمحافظة أخرى، ولم يَبخل عليه بالمال فيما يَطلبه لمُواجهة نفَقات الإقامة والدراسة بهذه المحافظة، ورغم ذلك تعاطَى المُخدرات وفَشِل في الدراسة، وآلَ أمره إلى ذلك الموقف الذي يَقفه منه شقيقه الأصغر.
هذا الولد الأكبر كان يعيش في مراحل التعليم السابقة على مرحلة الدراسة في الجامعة: بين أهله، أيْ بين والديه مع أخيه الأصغر، وعندما أكملَ مرحلة التعليم الثانوي وانتقل إلى المحافظة الأخرى ـ كمدينة كبيرة وبين أعداد من آلاف الطلبة ـ لم يكن مُؤهَّلًا نفسيًّا وعمليًّا للإقامة في هذه المدينة الكبيرة وبين آلاف الطلاب، فهو باعتبار أنه ابنٌ لعالِم من علماء الأزهر كانت تَنشئتُه تنشئةً مُحافظة، وكان اختلاطه بزُملائه في الدراسة بعد الخروج من المدرسة: قليلًا، وأصدقاؤه من أبناء الجيران كانوا أقلَّ إنْ لم يكن له صديقٌ على الإطلاق، وهذه التنشئة المحافظة كانت تكون خيرًا وبركةً عليه، لو ظلَّ يعيش بين أهله ويتردَّد عليهم في الصباح والمساء، بعد أن الْتحق بالجامعة، ولو ظلَّ والده كذلك يُشاركه الرأي في حلِّ ما يُصادفه من عَقبات.
ولكن عندما انتقل إلى المحافظة الأخرى للدراسة في جامعتها، واتصل بالأعداد الكبيرة من الطلاب: في الإقامة.. وفي التردُّد على قاعات الدراسة، ورأى الاختلاط بين الشبان والشابات داخلَ الكليات، وفي شوارع المدينة، وفي المقاهي والنوادي فيها: وذلك كله شيءٌ لم يأْلَفْه مِن قبلُ، وإن كان ربما قد رأى بعضه في محيطٍ ضيِّقٍ، عندما الْتقى وجْهًا لوجه، بهذا الوضع الجديد، ولم يكن قد أُعِدَّ نَفْسِيًّا له من قبل: أُخِذتْ نفسُه بما شاهد وتأثرت به، وأصبح يسعى لأنْ يسمع مِن الزملاء والزميلات، توضيحًا لهذه الظاهرة الجديدة في المجتمع الجديد الذي انتقل إليه، وهو غير مُؤهَّلٍ فيه.