وما يُروى عن النعمان بن بشير عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، اشهد أنِّي قد نحلْتُ"أي أعطيت"النعمان: كذا.. كذا.. من مالي، فقال: أكلَّ بَنيك قد نحلتَ مثل هذا؟. قال: لا. قال فأشهِد على هذا غيري. ثم قال: أيسُرُّك أن يكونوا إليك في البِرِّ سواء؟ قال: بلى، قال: فلا، إذن".. ما يُرْوَى.. وما يُذْكَر في هذا الحديث من امتناع رسول لله عن أن يشهد على عمل يُفرِّق فيه الوالد بين أولاده، مما يدلُّ على عدم موافقته ـ عليه السلام ـ على هذه التفرقة.. لا يدل إلا على: أن المُسْتَحَبَّ والأفضل أن لا يفرِّق الوالد في العطاء بين أولاده، إذا كانت الظروف مُتَساويةً بينهم. ولكن إذا كان هناك مرَض مزمِن لأحدهم، أو كانت له أولاد كثيرة، أو كان عليه دَيْن، أو له فضل على الآخرين.. فلا شيءَ في التفضيل إطلاقًا. وقد قال بذلك الأمام أحمد."
ثانيًا: أن الولدين الموظَّفين الكبيران ـ كما جاء هنا في السؤال ـ قد أخذا الآن حظَّهما من رعاية الوالد، حتى وصلا إلى ما وصلا إليه الآن من مستوى عالٍ في الأجر والوَجاهة، بينما الأولاد الصِّغار من الزوجة الثانية لم يزالوا في حاجة إلى رعاية أبيهم ومساندتهم في تنشئتهم. والعدل بين الأولاد يقضي بأن يميِّز الوالد هؤلاء الصِّغار في العطاء عن الولدين الكبيرين ولو بلغ التميُّز حَدَّ حِرمان هذين الكبيرين.
ثالثًا: أن معاملة هذين الولدين الكبيرين لوالدهما معامله سيئة، على نحو ما ذكر في السؤال. وسوء معاملتهما لأبيهما لا تُنْبِئ عن الوَفاء له، ولا تُعَبِّر عن خير مرتَقب منهما لإخوتهما الصغار، في حال وفاة والدهم. وهنا الأولى أن يميِّز الوالد أبنائه الصغار بالميراث، حتى لا يتعرَّضوا إلى الحاجة إلى أخويهم، في غير أمل فيهم وهما بإساءتهم المعاملة لوالدهما خرجا من دائرة الاعتبار الإنساني.