فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر الناس بالجد، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا ثم غدوت، فرجعت، ولم أقض شيئًا. فلم يزل ذلك يتمادى لي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو [1] . فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقدَّر ذلك لي.
فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق. أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوكًا، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك (ما فعل كعب بن مالك؟) قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه [2] .
فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا [3] يزول به السراب [4] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه [5] المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجه قافلًا [6] من تبوك، حضرني بثي [7] ، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين علي ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظل قادمًا [8] زاح [9] عني الباطل. حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه [10] .
(1) تفارط الغزو: تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا.
(2) والنظر في عطفيه: أي جانبيه وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه.
(3) مبيضًا: لابس البياض.
(4) يزول به الشراب: يتحرك وينهض، والشراب هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء.
(5) لمزه المنافقون: عابوه واحتقروه.
(6) توجه قافلًا: راجعًا.
(7) حضرني: حزني.
(8) أظل قادمًا: أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى على ظله.
(9) زاح: زال.
(10) أجمعت صدقه: عزمت على صدقه.