جعلت رمحى رعدها، وسيفى برقها، أمطرها دما، وانزل جنباتها «1» جزرا. ولم انكل عن خوض خضاضها، والانغماس في لججها، واكون كهفا لفرسان امامها ولأصحابى فيها.
فقال كسرى: لعدىّ بن زيد: اهو هكذا؟ فقال عدىّ: ايّها الملك فعاله «2» انطق من لسانه، وانّه لفارس العرب، وذو النجدة والحسب. فقال كسرى: للّه درّ العرب ما اسمح عزّها، وامرّ نفسها، وأعظم شأنها، وأجرأ قلوبها. ثم أذن للحارث بالجلوس، فجلس ثم دعا بقيس بن مسعود ذى الجدين، وهو المعروف به، فقد كان كسرى عارفا به، لما وفد اليه مرارا. فقال:
اتصّلت بك سبل الرشاد، ووفقت لمسالك السداد، ورزقت المحبّة من العباد. ثم لم نأت لنجيش لك صدرا، ولا لنزرع في قلبك حقدا، لانّك ملك ممّلك، وفيك الى العلّو مسلك. لم نفد لمساماتك، ولا لسبب معاداتك، ولا لطلب مجاراتك. بل اتيناك لنعلمك انّا في العقول غير مخترعين، وفى الحروب غير معرضين. ان رجوتنا فغير مسبوقين، وان سبقتنا فغير مغلوبين. قال كسرى: الا انّكم اذا ضممتم فغير وفيين «3» . وقد كان قيس قبل ذلك تولّى لكسرى مرعى السواد، فلم يمكنه القيام به. فعرض كسرى بذلك فقال قيس:
انّى لم اكن في ذلك الاكواف غدر به او خفير «4» نقضت ذمته. قال كسرى: لا يكون الضعيف ضمانا، ولا الدليل خفارة. ومن ائتمن الخونة، واستبرأ الأثمة؛ ناله ما نالنى من الخطأ. وليس الناس كلّهم سواء. فكيف الحاجب بن زرارة لم يغدر، فأنجز الوعد، ورهن قوسه فوفى بالعهد. قال قيس: صدقت ايّها الملك، لقد وفى فأحسن، ورهن قوسه فأثمن. وما شرف ذلك إلا لي، وفضله راجع اليّ. ثم اذن له كسرى، فجلس. ثمّ دعا بعمرو بن معدى كرب الزبيدى. فأقبل حتى وقف، فقال: انما المرء باصغريه قلبه ولسانه، وإن ابلغ المنطق الصواب. وملاك النجدة البيان، وعفو الرأى افضل من استكراه الفكرة. وتوفيق الخير خير من اعتساف الخير. وان تخطّك منّى النصيحة، فلن يخطّك الوفاء بالذّمة. فاحترز تكافحنا، فأقم بادرتنا بفضلك، لنكون لك كبغل يسلس قياده. لانّا اناس لم يؤنس منا ضعف، ولم تكن قناتنا تلين لقرع قارع، والوفاء منا خليقة، والطاعة منا حقيقة. لا نقف لضيم، ولا نخضع لدهر بريب. ثمّ اذن له، فجلس. ثم دعا بعمرو بن سدوس. فأقبل حتّى وقف، ثم قال: نعم ايّها الملك بالك، ودامت بالسرور حالك. ان عقبات الكلام متدبّرة، وفى استعماله عبرة. ولصواب الكلام مهلة، الا ان في قليل العقول بلغة، وفى الملوك سورة الغرّة. هذا مقام سينطق به الركب، يخمل فيه من يجهل، ويشرف من يعدل. لم نأتك
(1) . ص: جنابها
(2) . النهاية: افعاله
(3) . النهاية: وفى، ص: وقيين
(4) . ص: حقير