الروم اى يهرب منه. ولهذا اللقب يعرف الى الآن. وهو الذى ابتنى قصر اللصوص لنفسه، وبنى قصر شيرين لزوجته. وهو الذى امر بحفر شبديز، وامر بصورته، فصوّر فيه وصورة «1» شيرين امراته وصورة خواصّ اصحابه. وتلك الصورة قائمة الى الان. ثمّ ضبط المملكة واجرى الامور مجاريها، واختصّ رجلا من اهل بيت الموبذانية «2» من ذوى العقول والورع في دينه، فجعله موبذانا له، وهو قاضى القضاة وصاحب المشورة. وقد كان ذلك الموبذان طعن في السن، وضعف عن مباشرة النساء فقام بأمر الموبدانية. ووجد عنده كسرى رأيا كاملا اصيلا، ففوّض اليه التدبير وخصّه بالمشورة. فكان يشير عليه بما فيه الصواب والنجح. وكان اوّل من يدخل على كسرى بغير حجاب ولا اذن، فيقول له عند دخوله اليه: عشت ايها الملك بسعادة، ورزقت على اعدائك الظفر، واعطيت السرور، وجنبت طاعة النساء. ثمّ يومئ بالجلوس. فغاظ ذلك شيرين امرأة كسرى، وكانت من اجمل اهل عصرها جمالا، واوفرهم عقلا ورايا. فقالت: ذات يوم لكسرى: ايّها الملك، انّ هذا الموبذان قد طعن في السن وضعف، ولست مستغنيا عن رأيه وحسن مشورته. وانما يشب المشايخ النساء ببّرهن ومضاجعتهن ولطفهن. وقد رأيت لحاجتك اليه ان اهب له جاريتى مشكدانه، فقد عرفت ايها الملك عقلها وجمالها، وحسن حديثها.
فان رأيت ان تسأله قبولها منّى، فعلت. فكلّم كسرى موبدانه في ذلك، فهش الموبدان للجارية لمعرفته لجمالها وما ظهر له من عقلها. فقال ايها الملك: قد قبلت من شيرين تفضّلها وايثارها ايّاى بأفضل جواريها وأحبهن اليها. فقالت شيرين لمشكدانه انّى اريد ان تأتى هذا الشيخ، فتلطّفى له بمحاسنك وتحسنى خدمته. فاذا هشّ لمضاجعتك، فامتنعى عنه حتّى توكفيه وتركبيه. فلا يعود ان يزيد في تحية الملك هذه الكلمة ان يقول له:
«وقيت طاعة النساء» . قالت لها مشكدانه: افعل ذلك يا مولاتى، وأعلمك ذلك في الوقت الذى افعل به. فمشت الجارية الى الشيخ الموبذان، فصارت معه في داره التى يسكنها من قصر الملك، فجعلت تحدثه وتبرّه وتظهر اكرامه، وهى مع ذلك تبرز محاسنها، وتكشف له عن صدرها ونحرها وتبدى له عن ساقيها وفخذيها. فارتاح لها الموبدان، واحبّها، فانشرح صدره لمضاجعتها. فجعلت تمتنع عليه. فازداد بذلك حرصا عليها. فلما الحّ عليها بالمراودة، قالت: ايها القاضى ما انا بمجيبك الى ما تشاء ابداء، حتّى اوكفك، فان أجبتنى الى ذلك، صرت طوع يديك فيما يدعو الى مسرتك. فامتنع عليها ايّاما، وهى في ذلك تبرّه وتتزّين له، وتكشف عن محاسنها، حتى عيل صبره، فقال لها: افعلى ما
(1) . النهاية: بصورة
(2) . النهاية: المرزبانية