موليّا، وله هرولة فردّوه نحو الحرم، فلما انتهى الى طرفه، برك. فكانوا ينخشونه «1» ، فيقوم.
فاذا اخذوا به يمينا وشمالا، هرول؛ واذا اقحموه الحرم، برك. فلم يزل ذلك شأنهم بقّية يومهم. وعبد المطلب وحكيم بن حزام ومن تبعهما من قريش ينظرون الى وقوف القوم على حدّ الحرم، ولا يدرون ما قصتّهم وما يصنعون. فلّما قارب المساء، نظروا الى طير قد اقبلت من نحو البحر لا تحصى ولا تعدّ كثرة، وهى أصغر من الحمام. فعجبوا من كثرتها، ولم يعرفوها، ولا رأوا على خلقتها طيورا. وكان مع كل طير ثلاثة احجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره وكانت تلك الحجارة من سجيل، وهى على مقدار الحمص مختمة فيها نضخ جرّة، فرفرفت على رؤوسهم، وأظلّت عسكرهم، ثم قذفت بالحجارة عليهم. وهبّت ريح شديدة، فزادت الحجارة صعوبة وقوّة. وكان الحجر اذا وقع على رأس الرجل منهم، نفذ حتّى يخرج من دبره. واذا سقط على ظهره، خرج من ناحية بطنه.
فاذا سقط على بطنه. خرج من ناحية ظهره. واظلم الليل، وخفى امرهم على عبد المطلب واصحابه، وهم فوق جبل ابى قيبس، وظنّوا ان القوم قد انصرفوا الى معسكرهم. فباتوا ليلتهم بمكانهم. فلما اصبحوا، لم يسمعوا للجيش خبرا ولا الوجبة التى كانت لهم، فظنّوا انهم نيام. فلما طال ذلك بهم، وجّهوا رجلا ليأتيهم بخبرهم. فانصرف واخبرهم انّ القوم موتى خامدون. فبادر عبد المطلب ومن كان معه، فأخذوا من الاموال حاجتهم، ثّم ارسلوا الى قريش يعلمونهم القصة، ويدعونهم الى الغنائم. فانجفل الناس على معسكرهم، فانتهبوه. فعظمت قريش في اعين العرب، وسمّوهم آل الله، وقالوا: دفع الله عن آله شّر من كادهم. وصار الى عبد المطلب من اموال الحبشة مالا يحصى، فازداد شرفا وفضلا، وكان يشترى في كل عام من الابل الكثيرة، فينحرها، ويطعم الصادر والوارد وقال في ذلك شعرا:
نحن آل الله في كعبته ... لم نزل فيها على عهد ابرهم
نحن اهكلنا ثمودا عنوة ... ثمّ عادا قبلها ذات الارم «2»
ولنا في كل حين صولة ... نقتل العرب لديها والعجم
وقال أيضًا:
(1) . الصحيح: فنخسوه
(2) . ينظر: مروج الذهب: ج 1 ص 106؛ وفيه: نحن آل اللّه فيما قدر مضى ...