استقبلوه، وأظهروا بتبجيله وتعظيمه، فانه ملك. فاستقبله الناس، وأظهروا له التعظيم.
فدخل على عمر، فقرّب مجلسه، ووعده خيرا، فاسلم «1» وحسن اسلامه، واقام بالمدينة حتى إذا كان ايّام الموسم، حجّ عمر وأخرج معه خالد بن جبلة بن الايهم. فبينا خالد يطوف بالبيت محرما متزرا بازار مرتديا برداء اذ وطئ رجل طرف ازاره، فانحل عنه الازار، حتى بدت عورته. فغضب خالدا من ذلك الرجل، فلطمه لطمته، فتعلق الرجل به، وانطلق به الى عمر، شهد عليه الرجلان «2» . فقال: افد «3» الرجل، او استوهبه، او يلطملك كما لطمته. قال خالد: افلا يفضل في هذا الدين شريف على وضيع، ولا ملك على سوقة؟ قال عمر: قال الله، جّل اسمه: انّ اكرمكم عند الله أتقاكم. وانّ الناس شريفهم ووضيعهم وملكهم وسوقتهم في الحق سواء. فغضب خالد من ذلك، فلما جنه الليل؛ خرج في خدمه وحشمه مغضبا، حتّى لحق بالشام. فارتدّ عن الاسلام. فكتب عمر الى عامله بالشام، وهو ابو عبيدة بن الجراح، بأن يستتيب خالدا. فان تاب، وإلا ضرب عنقه. فبلغ خالدا ذلك، فخرج هاربا من الشام، حتى دخل ارض الروم، واتى الملك، فاخبره بأمره ورجوعه الى دين النصرانية. ففرح بذلك الملك، واستخلفه على ملكه، وجعله جائز الامر في سلطانه.
واقام عنده. فلما ولّى معاوية بن ابي سفيان، بعث رجلا من الانصار يقال له: تميم بن بشر الى قيصر ملك الروم وافدّا. قال تميم: فلما دخلت على قيصر أبلغه الرسالة، وجلست عنده؛ فحدثنى ساعة، ثم قال: هل لكل في لقاء رجل من العرب من اهل بيت الملك؟
قلت: ومن هو أيها الملك، قال: خالد بن جبلة بن الايهم الغسانى. قلت: نعم، وانّي لمن عشيرته. فبعث معي رجلا حتى أدخلنى اليه، وهو في مجلس له يغشى العيون حسنه، وكثرة تصاويره، وحيطانه مطلية بالذهب، وهو يتلألأ. وحوله نفر من بطارقته. فسألنى، وقال: من انت؟ فانتسبت له. فقال: حيّاك الله! فأنت ابن عمى. ثم امر جلساءه، فخرجوا من عنده، وخلا بى يسايلنى «4» عن العرب قبيلة قبيلة، وعن منازل الأزد وأماكنها، فأخبرته بجميع ما سألنى، ثم بكى، حتى اخضلت لحيته، ثم انشأ بعد ذلك بهذه الابيات يقول وهو يبكى:
تنصّرت بعد الدين «5» من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
(1) . تاريخ: واحسن
(2) . نهاية: رجلان
(3) . الصحيح: اقد
(4) . تاريخ: يسايلن
(5) . في الاغانى: 15/ 162: تنصّرت الاشراف ... وكذا في معجم البلدان: م 3 ص 314