ذي الاعواد مرثد بن عبد كلاك في عصر واحد.
رجع الحديث الى ذكر ملوك العرب باليمن ملك الملوك الاربعة واختهم ابضعة. قال ولما هلك ذو الاعواد، ملك اولاده مشتركين في الملك. وكانوا اربعة، فتتوّجوا بالتيجان.
حتّى اذا كان أوان الحجّ، نظروا الى قومهم يخرجون، فسألوا عن خروجهم. فأخبروا انّهم يخرجون الى مكة حجّاجا. فتوامروا بينهم، واتفّقوا على المسير في جنودهم وعساكرهم الى مكة، حتى يقلعوا الحجر الاسود من مكانه من الكعبة، ويجعلوه بصنعاء ليجعلوا الحج عندهم. فتجهزّوا، وساروا في مائة راية، تحت كل راية ثلاثة آلاف رجل. وبلغ ذلك معدّ بن عدنان، ما هم به اولئك الملوك الاربعة من ذلك. فاجتمعوا الى مكة، وتأهبّوا للحرب، وقلّدوا امورهم فهر بن ملك «1» بن النضر بن كنانة. وكان يؤمنذ سيد العرب كلّها ورئيسها.
فخرجوا مستقبلين لاولئك الملوك ومن معهم من جنودهم. فالتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الحرث بن فهر، فانشأ فهر يرثيه:
يا عين أذرى الدمع للحارث ... فلم يكن للعهد بالناكث
قد كنت ارجو ان يكون الذّي ... يكون من بعد البلى وارثي
وقتل ثلاثة من اولئك الملوك، واسر الربع، وقتل من جنودهم مقتله عظيمة، وانهزمت بقّيتهم، حتى لحقوا بأرض اليمن. فلم يزل الملك المأسور عند فهر محتبسا حولا، حتّى افتدى نفسه بأموال كثيرة، فأطلقه. ويقال: بل مات عند فهر في الحبس، فملكت من بعد اولئك الملوك اختهم ابضعة، وكانت تلقّب بالعنقفير، وكانت سيئة الطمعة، متحاملة على قومها، مغتاظة عليهم، لهربهم عن اخوتها، حتى قتلوا. وكانت تتخّير الرجال. فمن أعجبها، دعته الى نفسها. قيل: انّها كانت ذات يوم في منظرة لها مستشرفة «2» على الطريق، فنظرت الى غلام ذي ضفيرتين من اجمل الناس وجها. فأمرت به، فادخل عليها. فسألته من هو؟ فاخبر انه من اهل الحجاز من قيس غيلان. فسألته ان يقيم معها، لتصنع به خيرا.
فأخبرها: انّ له والدين لا يصبران عنه، ولا يمنكه المقام والغيبة عنهما، وانّه انّما قدم اليمن في تجارة له. فحبسته عندها تلك الليلة. فلما جّن عليهما الليل دعته الى نفسها. فألقى غلامين في بطنها. فلما ولدت سمتهما سهلا وعوفا. فاجتمع اليها عظماء قومها، وقالوا: انا رأينا الملكة تأتينا بأمر تخوّفنا ان يعقبنا عيبه وعاره ما بقينا. فأحببنا ان نلقي ذلك العيب
(1) . واليوم تكتب: مالك
(2) . تاريخ: متشرفة