مدينة حتى اكون انا كاتبها فأتولّى امران غير كائنان. قال له سابور: بل يكون الامران اللّذان انكرت لهما. ثمّ امر بالشيخ وأسلم الى معلم، وامره ان يواظب عليه، حتّى يتعّلم الكتابة والحساب في سنة. فحلق المعلّم رأس الشيخ ولحيته، وأجلسه بين يديه حتى علّمه في سنة. ونبت شعر رأسه وطالت لحيته. فولّاه سابور بناء تلك المدينة، وولّاه الانفاق عليها.
فبنى نصف سورها الاسفل بالآجر والجصّ، واعلاوه باللبن والطين مخافة السيل. وسماها جندى سابور، وكوّرها كورة، وامر بالسبى الذى سباهم من ارض الروم، فأسكنوا فيها، فسموها «بيلاب» «1» باسم ذلك الشيخ الذى بناها. ثم امر سابور البرنانوس ببناء قنطرة على نهر جندى سابور عرضها الف ذراع. فكتب البرنانوس «2» الى ملك الروم يسأله ان يوجه اليه من يبنى ذلك. فوّجه من بناها، حتّى اذا فرغ منها، منّ عليه واطلقه، فرجع الى بلاده. ثم أمر فبنيت ميسان، وسمّاها «ساد سابور» وبنى بفارس مدينة، وسماها سابور باسمه.
وظهر في ملكه الغويّ المضلّ ماني الزنديق، فأغوى المجوس، ودعاهم الى غوايته.
فطلبه سابور، فلم يقدر عليه.
فلما تمّ ملكه احدى وثلاثين سنة؛ حضره الموت، وكتب كتابا، ودفعه الى هرمز ابنه الذى تولّى الامر من بعده، وأمره بامتثاله، والعمل بما فيه، فكانت نسخة الكتاب:
بسم الله ولي الرحمة. هذا ما عهد سابور بن اردشير الى ابنه هرمز بن سابور، حين اصطفاه للملك وحباه بالسلطان، والى من يتوّلى الملك من عقبه من ولده بعده.
اما بعد، فقد استحكم لكم يا بنىّ الملك، وتوطّد لكم السلطان، فعرفتم مواقع النعم، وتصفحتم اماكن الغير. فاستدلّوا بما كان على ما يكون، وليزعكم علمكم ولتنفعكم تجاربكم! تحفّظوا، يا بنى عهدى اليكم، ووصيتّى ايّاكم، واجعلوا ذلك أمانا تأمنون به فيئا تعرفون به مالكم مما عليكم! استدعوا الكرامة التّى اصبحتم في ظلالها بالشكر لمن أولاكموها، والعاقبة التى تظاهر عليكم لباسها بالانعام على من تولون أموره من رعاياكم.
تمسّكوا بالطّاعة التى بها خرجتم من ضيق الضلالات الى سعة المكرمات. واعلموا معاشر ولدي واهل بيتي ومن يعقب بعدكم من عترتي، انّكم قد افضتم الى ارث ملك شرفه قديم، وبيته عظيم، واركانه ثابتة له، واوتاده راسية، وبنيانه عال وعصمته قوّيه، وطاعته مفترضة، ومنزلته متمكنة. فصونوه لعظم الاخطار، وارتفاع الاقدار، واتساع الباع، وكريم الشيم، ونزاهة الأعراض، وبعد مذاهب الهمم. واجعلوا علوّ اخلاقكم كعلو اخطاركم،
(1) . جاء ذكر هذه المدينة (بيت لايات) فى تاريخ الطبرى (أهل الأهواز يسمونها «بيل» باسم القيم الذى كان على بنائها) .
(2) . تاريخ: البونانوس