احدها بكلامه، وترجم للاسكندر، فاذا هو يقول: يا ايّها الناس انكم قد بلغتم مدينة جابلقا «1» ، وهى المدينة التى بالمشرق ليس وراءها شى ء الّا الجبل الذى تطلع عليه الشمس من ورائه.
فسار حتّى وصل الى تلك المدينة، فاذا هى كنحو المدينة التى بالمغرب المعروفة بجابرسا «2» في العظم وكثرته «3» . فاستقبله من اهلها ما لا يحصى كثرتهم الا اللّه، جلّ جلاله، فاذا هم قوم صهب قد احرقت الشمس وجوههم، وليست لهم شعور، ولا حواجب ولا اسنان. فاذا طلعت الشمس، دخلوا غيرانا لهم واسرابا في الارض. ومنهم من يدخل الماء من حّر الشمس، فلا يزالوان على ذلك الى ان ترتفع الشمس عنهم.
فسار في ارضهم حتى انتهى الى شجرتين تتكلمان من اعظم ما تكون من الاشجار واحسنها حسنا. فقالتا بلغة تلك الارض: لقد بلغتم مبلغا ما بلغه احد من الملوك، ولا يبلغه الى يوم القيامة. فترجم ذلك للاسكندر، فعجب.
ثم سار في ارضهم، حتى انتهى الى أمة من الناس على شاطى ء «4» البحر، فأهدوا له اصدافا عظاما يسع الصدفة الواحدة تسع مائة رطل. وكان اكثر طعامهم السمك. وقالوا:
ايّها الملك! ان امامك واديا كبيرا، فيه تنّين كاعظم ما يكون، يبتلع الفيل. قال: فهل ترونه؟
قالوا: نراه من بعيد، وله منّا كلّ يوم ثوران ننطلق بهما اليه حتى ننزلهما الوادى في وقت الزوال، لانّه لا يخرج الا تلك الساعة من حجره، فنشدهما قريبا من ذلك. فاذا خرج، ابتلعهما ولو لا ذلك لتخطّى الينا، اذا اصابه الجوع. فأمر بثورين «5» من نحاس مجوّفين فاتخذا له، وحشّى جوفهما كبريتا وقيرا ونفطا وزفتا، فنصبا قريبا من جحره وقت الهاجرة.
وجعل لهما عمودين معترضين من حديد، طول كل عمود «6» عشرون ذراعا. فلما خرج ظن انّهما كما عاهد «7» ، فابتلعهما جميعا. فصار العمودان معترضين في حلقه، فانفتح فاه كالدرب العظيم. وامر بالأجره «8» من النحاس، فحيمت حتى صارت حمراء، ورميت في فيه.
فاشتعلت النار في ذلك النفظ والكبريت والقار، فاحترقت واحرقت تلك الأفعى واجتمع اهل تلك الارض، فاثنوا على الاسكندر، وتشكروا منه إذ أراحهم من تلك الحية «9» . وبنى في ذلك الموضع مدينة، واسكن فيها قياما «10» من الناس كثيرا، وبنى على شطّ «11» البحر منارة
(1) . اصل: جابلق
(2) . اصل: بجارس، النهاية: بجابرصا
(3) . النهاية: كثرة الخلق
(4) . اصل: شط
(5) . تاريخ: ان يصنع ثورين
(6) . النهاية: واحد
(7) . النهاية: عهد
(8) . تاريخ: الانجر
(9) . تاريخ: الآفة العظيمة
(10) . تاريخ والنهاية: قوما
(11) . تاريخ: شاطى ء