لا صدّقوها، حتى ورد عليهم الملك بالجموع، فارهقهم عن الهرب والحرب. فتحصنوا في قصورهم، فاقام عليهم حتى استنزلهم منها. فضرب اعناقهم، ولم يفلت منهم احد. ودعا بالزرقاء فأدخلت عليه. فقال لها: بم انلت هذا النظر الذى لم يعط أحد مثله؟ قالت بالاثمد: قال: وما كنت تصنعين به؟ قالت: كنت اذا رقدت، اكتحل به كلّ ليلة اذا اويت الى فراشي. فامر بقلع عينيها، فوجد تحت عينيها عروقا سودا. واتخذ الناس الاثمد من ذلك الزمان. وفى ذلك يقول الاعشى:
مثل الفتاة التى اذ غاب والدها ... اهدت له من بعيد نظرة جزعا
ما نظرة ذات اشفار كنظرتها ... حقّا كما صدق الدبى اذ سجعا
وقلبت «1» مقلة ليست بفاحشة ... انسان عين وموقا لم يكن قمعا
قالت ارى رجلا في كفه كتف ... او يخصف النعل لهفى اية صنعا
فكذّبوها بما قالت فصّبحهم ... زوال جيشان «2» يرجى الموت والشرعا
فاستنزلوا اهل حق من مساكنهم ... وهدّموا شاخص البنيان فاتضعا
قال: وان الملك لما فرغ من جديس، نادى في جنوده بالمسير، فسار نحو العراق لمحاربة دارا بن بهمن، او يعطيه الطاعة، فقال في ذلك:
من كان يرجوا ان يؤوب فلست عن سفرى بآيب ... فتجهّزي وتحملّي باليمن يا خير الركائب
قدما وطئت بنا اليمامة حاجبا من بعد حاجب ... سيرى الى هجر لتجرى مدّهم جوف الحقائب
وتوجهّى نحو العراق فثمّ مقتضب وقاضب ... فلئن بقيت لا لحمن ضرام وقعة غير كاذب
حتّى ابيد ملوكهم اهل الا كاليل العصائب ... حتى توقد من سيوف الهند نيران الحباحب
ثم ارتحل من اليمامة حتى اخذ على هجر، فاعطاه اهلها الطاعة، وافتدوا انفسهم
(1) . تاريخ والنهاية: قبلت
(2) . الصحيح: ذو الجيشان