نريد من ذلك أن نقرر قضية وحقيقة بالغة الأهمية ...حقيقة يفقدها أساس بنائنا التربوي ...إننا نريد من مسارنا التربوي أن يأخذ بالعزيمة ويبدأ تلك البداية ...بداية العقيدة،عندها فقط سنكون في دائرة السباق الحضاري بل على خط السباق الأول،وسنحرز الفوز الحقيقي لا الفوز المنفوخ الخاوي،ويومها سنكره العيش على الهوامش والفضلات والتبعية وسنسحس بلذة الصدارة،والناس على أثرنا ونور هدايتنا سائرون.
يخطئ المربون آباء وأمهات وأساتذة وغيرهم عندما يسرفون في حشر أذهان الأبناء والتلاميذ بالمعلومات الجزئية النظرية،ظانين أن الذكاء والنماء الفكري والتربوي مرهون باستيعاب تلك المعلومات على كثرتها،ويخرج المتربي إلى حيز الواقع الاجتماعي بعد ذلك فلا يكون لتلك المعلومات والأمثلة والحكايات والشواهد أثر في واقعه فتتلاشى كل تلك الجزئيات لاصطدامها بواقع مغاير لاتجاهها لا تقوى وهذه حالها على مواجهته.
ولو أن مناهجنا سلكت مسلك غرس المفاهيم والموازين العامة،لكانت أفكارُ وسلوكيات وواقع شبابنا ومجتمعه غير ما هي عليه اليوم،خصوصًا إذا عاشت هذه المبادئ في ظل واقع يسمح لها بالتحرك والنماء والعطاء.
فلو درس الأبناء مفهومًا كمفهوم الطاعة مثلًا،وعلموا حدوده وصاحب الحق فيه وتسلسله من الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى أئمة المسلمين وإلى الوالدين والأساتذة والمربين وإلى كل من له مسؤولية تجاه غيره ..ولو فهموا مبدأ التضحية والإخلاص والعدل والعزة والكرامة لعلموا كم تبنى في الأبناء من معان سامية إذا واكبتها همة تربوية عالية يتسع صدرها لبناء هذه المفاهيم مجردة غير متأثرة بالواقع.
وإذا كان من السهل تأصيل هذه المفاهيم وبلورتها،فإنه من الصعوبة بمكان أعطاء المفاهيم كنظريات لا صلة لها بواقع الناس وحياتهم اليومية اجتماعية واقتصادية وإدارية وسياسية.
إن هذه المفاهيم والمبادئ تحتاج إلى مناخ اجتماعي يتلاءم وأبعادها،مناخ تزاول فيه الطاعة - مثلًا - أقصى مداها وحدودها،ويزاول الإخلاص والتضحية والعدل والعزة والكرامة وغيرها أبعادها وأقصى آمادها.