وهذا الاعتبار هو الاعتبار الفذ في أخلاقية الإسلام.فهي أخلاقية لم تنبع من البيئة،ولا من اعتبارات أرضية إطلاقا وهي لا تستمد ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل.إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء.تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق.
وتستمد من صفات اللّه المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة،كي يحققوا إنسانيتهم العليا،وكي يصبحوا أهلا لتكريم اللّه لهم واستخلافهم في الأرض وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرى: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» ..ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود من أي اعتبارات قائمة في الأرض إنما هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر،لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات اللّه الطليقة من كل حد ومن كل قيد.
ثم إنها ليست فضائل مفردة:صدق.وأمانة.وعدل.ورحمة.وبر ....إنما هي منهج متكامل،تتعاون فيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعا،وتنتهي في خاتمة المطاف إلى اللّه.لا إلى أي اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة! وقد تمثلت هذه الأخلاقية الإسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها واطرادها وثباتها في محمد - صلى الله عليه وسلم - وتمثلت في ثناء اللّه العظيم،وقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .. [1]
وعلم الأخلاق:هو علم موضوعه أحكام قيمية تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبيح." [2] "
(1) ... خلق الحياء:
"إن ما يتوج الأخلاق كلها خلق الحياء،لأنه من أقوى البواعث على الاتصاف بما هو حسن واجتناب ما هو قبيح وبالتالي فإنه يقود صاحبه إلى أن يسلك مدارج الكمال والفضيلة،ومن ثم يرقى في أعين الناس ويكسب المثوبة منه تعالى،والحياء أول قوة يشدد عليها المربون لأنها تدل على العقل،وعلى أن الولد قد أحسن القبيح ،وبالتالي فإن إحساسه"
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3656)
(2) - إبراهيم مصطفى وآخرون،المعجم الوسيط، ص275