فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 404

وليس شرطًا أن يكون المناخ الاجتماعي سليمًا لا عوج فيه حتى تعيش هذه المفاهيم وتنمو،بل المطلوب أن يسمح لهذه المفاهيم أن تعمل عملها،ولو كان المجتمع فاسدًا إلى أقصى درجات الفساد،فإن هذه المفاهيم ستأخذ طريقها ضد هذا التيار وستلوي عنقه ليًا في نهاية المطاف كي يتمشى وسمت تلك المفاهيم،لأنها مفاهيم ومبادئ غالبة لا محالة،فالظلم لا يقوى على العدل ،والغش لا يقاوم طويلًا الإخلاص،والأنانية لا تقاوم التضحية ،والذل لا يصرع العزة ...

ولكن داهية الأمر - فيما إذا سلكنا مسلك المبادئ والمفاهيم والموازين كأسلوب للعمل التربوي - أن المجتمعات المعاصرة تريد من هذه المبادئ أن تحمي الواقع الخاطئ لمساراتها الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والسياسية وغيرها،وسيكون لتلك المفاهيم والمبادئ،في ظل هذه النظرة،نفس قوتها الفعالة السابقة ولكنها قوة في جانب السلب ومع التيار الاجتماعي الخاطئ لا ضده،فالطاعة حين تقطع من أصلها الأول تصبح طاعة عمياء محدودة مبتذلة تعني التملق والمحسوبية وتنمي في الفرد الذل والخذلان والانكسار،وتقتل همة الترقي،وتصبح التضحية تضحية لتعميق الواقع الآثم،وكذلك تجهز العدالة على بقية العدالة لأنها ستضفي على الباطل أصباغَ ومساحيقَ العدالة الزائفة وهكذا ستصبح العزة نذالة وذلًا ومهانة لأنها ستكون عزة بمقدار القرب من القائمين على هذا الواقع الخاطئ.

فلا بد لتعديل المسار التربوي من هذين الأمرين:بناء الشبيبة وفق المبادئ والموازين المستقاة من نبع عقيدتنا،ولا بد ثانيًا من ترك تلك الموازين والمبادئ تعالج عن طريق هذا الشباب الواقع الاجتماعي،وسنرى بعد ذلك عجبًا....

سنرى ذاك العجب الذي حققه مربي البشرية ورسولها محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسى هذا المنهج في التربية بوحي الله وتوجيه القرآن الكريم،فسلك أسلوب التربية في غرس المبادئ والموازين وإهدار الجزئيات،ثم ترك تلك البناءات التربوية من الرجال والنساء تعمل عملها وفق تلك المبادئ ضد تيار المجتمع في جميع أطره الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

واستطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا المنهج أن يربي - لا أطفالًا يتعهدهم من الصغر-بل رجالًا متعصبين استمرؤوا واعتادوا حياة الجاهلية ونمت في وجدانهم وسرت في دمائهم،وإذا كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت