فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 404

السهل من الأمور السهلة مرغوبة لا منبوذة،ولكن الذي يشينها أنها أخذت مكانًا ليس مخصصًا لها وفي وقت ليس وقتها وفي إطار مهلهل لا يصلح لها.

ولا نعرف في أرض الناس بالأمس واليوم منهجًا يقرر المبدأ ..مبدأ الأهم قبل الأسهل مثل الإسلام،لقد وضح وقرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر كأوضح ما يكون التقرير،وطبقه عمليًا بصورة لم تعهد البشرية لها نظيرًا.

لقد واجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ركامًا جاهليًا في واقع الناس وعلاقاتهم وظلم بعضهم لبعض،وركامًا فكريًا وعقائديًا مشوشًا منحرفًا،جاء ليواجه هذه الأرصدة الضخمة من الوقائع الاجتماعية والفكرية والعقائدية ...جاء ليجمع الناس حول مبدأ واحد وقناعة واحدة في عقيدة واحدة،كانت أمامه سبل كثيرة ميسور سلوكها لتجميع الناس،وأمامه طريق واحد صعب المرام ولكنه الأهم،فكيف ..ومن أين يبدأ ؟ ...

كان بإمكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع العرب حول شارة العروبة ويعلنها قومية عربية أمام القوى المحيطة بالجزيرة من الأعاجم الفرس والروم،وكانت نفسية العرب وعصبيتهم مهيأة لذلك.

كان بإمكانه أن يجمع العرب تحت شارة محاربة الظلم الاجتماعي والطبقي،وسيجد العون من سواد المجتمعات يؤمئذ ويعزز جبهته،كان بإمكانه أن يتخذ هذه الأساليب وغيرها ليجمع كلمة العرب على سواء في أقل مدة ممكنة وبأقل جهد ممكن.

لكن الأمر الذي ينبغي ألا يخفى أن مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن التجميع بل كانت التربية والبناء على أسس ثابتة،فكان وحي الله عز وجل يوجهه وجهة البداية الصعبة لأنها الأهم ...بداية استهلكت من وقته ثلاثة عشر عامًا متواصلة من الهدم والضنك والتعب،بداية كلفته معاداة الأهل والقبيلة وكلفته محاربة العرب والعجم داخل الجزيرة وخارجها،كلفته الدم وتساقط الشهداء،كانت بداية العقيدة...إقرار العقيدة في النفوس ...العقيدة التي هي الضريبة الضخمة التي منها وعليها تؤسس جميع الروافد والمصاب التربوية والاجتماعية والسياسية،لقد كانت بداية ضخمة صعبة المرام ولكنها الأهم ..فكانت النتائج ضخمة أيضًا في واقع الناس والمجتمع البشري كله فعمرت تلك الثلاثة عشر عامًا ثلاثة عشر قرنًا تحقق العدل وتنشر السكينة وتسعد البشرية بحضارة لم ولن تسعد في غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت