فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 404

وتعالى لا من صنع الإنسان،ويستحيل على الإنسان أن يصنع مثل هذا المنهج،لأن الإنسان أولًا محدود الكينونة من ناحية الزمان والمكان،إذ هو حادث في زمن يبدأ بعد عدم،وينتهي بعد حدوث،ومتحيز في مكان،سواء كان فردًا أو كان جيلًا أو كان جنسًا،لا يوجد إلا في مكان،ولا ينطلق وراء المكان،كما أنه لا يوجد إلا في زمان ولا ينطلق وراء الزمان،ولأنه محدود الكينونة من ناحية العلم والتجربة والإدراك ..يبدأ علمه بعد حدوثه،ويصل من العلم إلى ما يتناسب مع حدود كينونته في الزمان والمكان،وحدود وظيفته كذلك،ولأنه فوق أنه محدود الكينونة بهذه الاعتبارات كلها،محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته،فوق ما هو محكوم بقصوره وجهله ..الإنسان وهذه ظروفه،حينما يفكر في إنشاء تصور اعتقادي في ذات نفسه،أو في إنشاء منهج للحياة الواقعية من ذات نفسه كذلك،يجيء تفكيره محكومًا بهذه السمة التي تحكم كينونته كلها ...يجيء تفكيره جزئيًا ...يصلح لزمان ولا يصلح لآخر،ويصلح لمكان ولا يصلح لآخر،ويصلح لحال ولا يصلح لآخر،ويصلح لمستوى ولا يصلح لآخر.

فوق أنه لا يتناول الأمر الواحد من جميع زواياه وأطرافه،وجميع ملابساته وأطواره،وجميع مقوماته وأسبابه ..لأن هذه كلها ممتدة في الزمان والمكان،وممتدة في الأسباب والعلل،وراء كينونة الإنسان ذاته،ومجال إدراكه ....وذلك كله فوق ما يعتور هذا التفكير من عوامل الضعف والهوى, وهما سمتان إنسانيتان أصيلتان.

وكذلك لا يمكن أن تجيء فكرة بشرية،ولا أن يجيء منهج من صنع البشرية يتمثل فيه الشمول أبدًا ...إنما هو تفكير جزئي ..وتفكير وقتي ..ومن جزئيته يقع النقص ومن وقتيته يقع الاضطراب الذي يحتم التغيير،ويتمثل في الأفكار التي استقل البشر بصنعها،وفي المناهج التي استقل البشر بوضعها دوام"التناقض"أو دوام"الجدل"المتمثل في التاريخ الأوروبي.

فأما حين يتولى الله سبحانه ذلك كله ..فإن التصور الاعتقادي،وكذلك المنهج الحيوي المنبثق منه،يجيئان بريئين من كل ما يعتور الصنعة البشرية من القصور والنقص والضعف والتفاوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت